الفائز بالمركز الأول

إرث الجاهلية

عواطف حسن ابراهيم


التقطت اولى انفاسها على هذه الارض الطاهرة ، كبرت و هي تسابق أخاها على رمال شواطئها الحارة ، أنجبتها أما بحرينية ، و لكن هناك من لم يقبل توظيفها رغم تفوقها و ذكائها لأنها "مُجنسة" .. من وجهة نظره هو .. فهي لم تعرف وطنا آخر سواه ! ، وفي جهة أخرى  ، يغرد الأستاذ الدكتور بأهمية التكاتف لبناء مجتمع حضاري متقدم يواكب تطور الدول العظمى ، مجتمع يكفل حرية الأديان و التعبير ، مجتمع قوي غير هش ، قائم على طاقات ابنائه التي تسعى أن ترفع علم بلدها عالياً ، إلا أنه يحارب زميله الذي  نشأ معه ، بل و يجاوره في المنزل و يسعى لإسقاطه ، فقط لاختلاف طائفته الدينية ، عجبا !

نماذج كثيرة و مختلفة ، و لكنها تصب في مجرى نهر واحد ، غير صافٍ ، ذو رائحة نتنه ، تقتل بذور الحب و التعايش و الابداع ، و تسمح بنمو البغض و الحقد و الكراهية .. 

ان موضوعاً كهذا ليس بجديدا علينا ، موضوعا تحدثت عنه البشرية منذ عقود، و مازالت تكتب و تناقشه في المجالس و الندوات و المؤتمرات، و هذا يدل على عدم استطاعتنا حتى الآن  التخلص من هذا الوباء ! نعم إنه وباء ، ينتشر بين الناس كالمرض المعدي المؤدي الى الموت،  فما أصعب نشر المحبة ، و ما اسهل نشر الكراهية ، تماما كالبناء و الهدم .

نشأنا بالفطرة على حب هذا الوطن ، فسعينا إلى النجاح و التميز ليفخر بنا وطننا الصغير في حجمه ، العظيم في مكانته ، علمنا ديننا العظيم ان جميعنا متساويين ، لا فرق بين اعجمي ولا عربي الا بالتقوى ، علمتنا مدارسنا معنى الولاء و الانتماء و المواطنة ، أتساءل اذا  ما الذي يجعلننا نقف عاجزين على التخلص من هذا الوباء ، الذي يدمرنا و يدمر وحدتنا ، الوباء الذي يتفشى في نفوسنا فيسيطر علينا ، الوباء الذي نتوارثه جيلا بعد جيل ؟؟ أَ لهذه الدرجة ضعفاء نحن لنواجه هذا المرض و نقضي عليه ؟ 

لطالما لفتني تطور الغرب و تقدمهم بشكل ملحوظ عن البلدان العربية ، رغم أن أمريكا على وجه الخصوص تضم سكاناً من مختلف الأصول و الأعراق ، أيعقل أنهم لا يعانون من أي شكل من أشكال التعصب ؟ بالطبع لا ! فلا يمكن أن يخلو مجتمع في هذا العالم من مثل هذه المشاكل و الامراض ، و لكنني أعتقد أن لديهم عزيمة و قدرة على التعايش و التسامح ، تجعلهم يسعون جاهداً للوصول الى النجاح و الرُقي و التطور ، بل و ان الأهم من ذلك ان لديهم من القوانين و العقوبات الرادعة ، ما يجعلهم يخشون اتيان أي من التصرفات العنصرية المهينة ، لأنفسهم أولا !! و للآخرين ثانيا.


لماذا نحتسي الشاي بعد صلاة الظهر يوم الجمعة  نشاهد أخبار العالم الغربي و انجازاتهم التي تنال اعجابنا في مختلف المجالات ، لكننا لا نفخر بالعداءة البحرينية "روث جيبيت" التي توجت بالميدالية الذهبية في دورة الألعاب الأولومبية المقامة في ريو دي جانيرو ؟ و قد رفع علم البحرين عالياً و عزف النشيد الوطني لمملكتنا الحبيبة أمام جميع الناس من البلدان المختلفة ؟ هل فقط لأنها غير بحرينية الأصل ؟ لماذا نتجاهل تماما حجم الانجاز الذي حققته روث للبحرين التي لم يسبق لها الفوز بالميدالية الذهبية في مشاركتها بدورات الألعاب الأولومبية ! هل الانتماء للوطن يكون حين تولد في دولة ما و يكون أبويك منتمين لها ؟ أم أنه افعال و انجازات تقدمها للوطن الذي احتضنك و قدم لك الكثير ؟ لماذا نقلل من جهود و تضحيات مواطن ربما يفوق حبه للبحرين حب المواطن الأصلي ؟ لماذا ننتقد و بشراسة اخوتنا من الطائفة الأخرى و نستنكر ممارستهم لطقوسهم الدينية و نشعر بأنها ليست حقا من حقوقهم ، بل و الأغرب من هذا كله أنه و  مازال هناك فئات في المجتمع تحتقر من هم على نفس مذهبهم و توجههم السياسي و الفكري ، و لكنهم ليسوا ب (قبيليين) ان صح التعبير ، فلا يزوجوهم بناتهن و لا يتزوجون منهم ! 

الى كل بحريني يعشق تراب هذا الوطن ..

أعلم تماما انه قد يستاء البعض من هذا الكلام فيرد قائلا بأن التعصب أمر لا يقتصر علينا وحدنا ، بل إنه موجود في كل المجتمعات عربية كانت أم غربية ، نعم .. أوافقك الرأي ، و لكن ما المانع ان كنا أقل بلدان العالم تعصبا و اكثرهم تسامحاً كالهند مثلا ، التي تضم المئات من الأديان و الطوائف ؟ ان حبنا لهذا الوطن و لشعبه التعددي ، سوف يجعلنا فالمقدمة ، سوف يجعلنا في الصفوف الأولى ، التي خُلقت من أجلنا و خُلقنا من أجلها ، ان غيرتي على وطني الحبيب جعلتني أحاول و لو بأبسط الوسائل أن تلامس كلماتي قلوبكم ،و و تشعل الغيرة الحميدة في نفوسكم ، لنتخذ جميعا خطوة ايجابية نحو الأمام فنوقف هذه الفتنه التي ترجعنا للوراء و تجعلنا عالقين في زمن الجاهلية و التخلف ،و تعطل عجلة التنمية والنجاح التي تتنافس عليها الأمم اليوم فتعمل جاهدا و بلا توقف ، تاركة خلفها التعصب و الكراهية.


أبناء وطني الشرفاء .. 

انسانة بسيطة انا مثلكم ، ولدت و نشأت في هذا البلد الذي أطمح أن ارفع علمه في اعلى الميادين ، أصيب احيانا ، و أخطأ احيانا كثيرة ، لا أملك ما يجعلني اتفوق عليكم ، و اتحدث من وراء المنابر أطالبكم بترك التعصب و العنصرية و الكراهية ، و لكنني جئت لأذكركم بحُب ، عما نسهو  و نغفل عنه احيانا كثيرة ، لا ادّعي المثالية ، و لا ادعوكم بما لا أعمله ، متيقنة تماما بطيب قلوبكم و كرمكم ، الذي لطالما أشادت به الشعوب المجاورة ، جئت أدعوكم بأن نطهر نفوسنا من التعصب و العنصرية،  جئت ادعوكم لنحيا في هذا الوطن كأخوة، لا ننظر في تعاملنا الى أي قبيلة يرجع هذا الشخص ، أو الى أي طائفة ينتمي ، أو أيّ فكر سياسي يعتنق ، فأن تكون بحريني الأصل ، منتميا لطائفة معينة ، صاحب فكر سياسي معين ،ليس له أي علاقة بمدى حبك و تعلقك و خوفك على وطنك ، فكم من بحريني الأصل لم يساهم في اي انجاز ليقدمه لوطنه الذي اعطاه الكثير ، و كم من بحريني المولد و المنشأ فقط ، حبه الصادق لوطنه دفعه ليمثل وطنه في شتى المحافل الدولية أسمى تمثيل ، و البعض منهم دافع عن البحرين بدمائه و روحه ، و وضع البحرين و أمنها نصب عينه ، قبل أمه و زوجته و أطفاله ، فبات شهيد الوطن.


إن التعدد ليس بالأمر الغريب ، خُلق معنا و خُلقنا معه ، إنما الغريب عدم تعايشنا معه حتى هذه الحقبة من الزمن. لنعطي أنفسنا فرصة ! فرصة لنغير مفاهيم حب الوطن لدينا ، فنجسد هذا الحب بأفعال صادقة ، و نتسلح بالعلم و المعرفة ، فننافس شعوب العالم و نسابقهم في الخير ، لنشغل انفسنا في التخطيط و التفكير في مستقبل مملكتنا الحبيبة ، بعيدا عن الإنشغال بتوافه الأمور ، ليكن همنا الشاغل مكانة هذا البلد و رُقيه ، فنهيئ بذلك بيئة مليئة بالتسامح و التعايش و التقبُل ، يكبر فيها اطفالنا ليكونوا جيلا واعدا يكمل جمال ما بدئناه . قال تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) ، صدق الله العظيم.


مواد ذات صلة