الفائز بالمركز الأول

وهم الثورة

أحمد منصور حمادة

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين

الإخوة والأخوات الكرام..


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أليس من المعروف والمسلَّم به أنَّ السببَ يكون قبل الحدث الذي تترتَّب عليه النتائج؟! فالإهمال أو زيادة الضغط الكهربائي مثلاً سببٌ للتماس الكهربائي، ونتيجته اشتعال النار واحتراق الدار. فهل يصحُّ أنْ ندَّعي أنَّ احتراق المنزل سببٌ للتماس الكهربائي في هذا المثال؟! بالتأكيد لا. 


وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا يعمد أصحاب الحركات الجماهيريَّة والمشروعات الثوريَّة إلى جعْل النتائج أسبابًا، وإلى خلط الأوراق وتشويش الأذهان بالمغالطات؟! وكيف يسمح الناس لأولئك الاستغلاليِّين باستغفالهم، واللعب بعقولهم، ومصادرة استقلالهم؟! 


الثورات تبدأ بالشحن والتحشيد، وإثارة السخط العام، ويعمد أصحابها إلى تقبيح الواقع بكلِّ صورةٍ ممكنةٍ، ليكون الواقع أقبحَ ما يمكن تخيُّله، وأَمَرَّ من الصبر! كما يسعون جاهدين إلى تجريد كلِّ محتوًى ذي قيمة من قيمته، ليبدو منجزًا تافهًا لا يستحقُّ التقدير، فينشأ جيلٌ ومجتمعٌ على هذه الثقافة، وبهذه النفسيَّة الحانقة؛ فيكون عجينةً جاهزةً للتشكيل عندما يحين الوقت! 


وصاحب المشروع الثوريِّ يسعى جاهدًا لاستلاب عقول الناس ليستبدلها بالعقل الجمعي، ويتم ذلك عبر تسخينٍ ممنهجٍ لنفوسهم، وإشعال الحماس فيها، وإذكاء الكراهية، فيغيِّب الإنسان عقله، ويرتهن إلى عقلٍ جمعيّ أحمقَ لا يدرك الحقائق، فيكون المرء مستعدًّا لتقديم روحه فداءً لقضيَّةٍ قيل له إنَّها مقدسةٌ ونبيلةٌ وتجتلب الخير للأجيال القادمة، وتصوغ مستقبلاً أفضل، وهي الدعاوى والوعود نفسها التي ادَّعتها جميع الحركات قديمًا وحديثًا، مع تغييرٍ قليلٍ يتناسب مع العقيدة السائدة.


وعندما يقرِّر الرؤوس التحرَّك الميدانيَّ، يستغلُّون الفرص، بل ويصطنعونها في أحايين كثيرة، لتحقيق الهدف الذي لا يبصره من أعماهم الغضب والحقد، وغُيِّبت عقولهم في المجموع الهائج، وعندئذٍ لا يحتاج الرؤوس إلا إلى شرارةٍ عاطفيَّةٍ يستندون إليها لإطلاق مشروعهم الذي يندر ألا ينطوي على مشروعٍ تدميريٍّ؛ فكريٍّ أو ثقافيٍّ أو اجتماعيٍّ. 


وبعد انطلاق الثورة، يتبادل السياسيُّون رسائلهم التفاوضيَّة –المباشرة وغير المباشرة– مع خصومهم في لحظاتٍ ينشغل فيها النَّاس وسط الألم والفوضى، وفي الوقت نفسه يبدأ رؤوس الحركة في دفع الفواتير من أرصدةٍ هي أرواح البشر وآلامهم وآمالهم.


وعندما يتصاعد الألم، وتنتشر رائحة الكراهية، يستيقن المقامرون، بل وكثيرٌ من الناس أيضًا، فداحة الخطب، حتى لو جحدوا به، ويصير لديهم إيمانٌ بأنَّ الباعث على الثورة لن يكون قادرًا على تحريك "القطار البخاريِّ" الذي سيحملهم إلى أطماعهم، فلابدَّ من احتطابٍ دائمٍ في أعمار الناس، وأحلامهم، واستقرارهم.


والمشكلة أنَّ الإنسان لا يميل بطبعه إلى الاعتراف بالخطأ، وتحمُّل المسؤولية، خصوصًا إذا كانت نتائج أفعاله وخيمةً جدًّا وفادحةً، فتأخذه العزة بالإثم، فيعمد إلى تبرير كلِّ قبيحٍ، "ومَنْطَقَةِ" كلِّ فوضى، فيجد أنَّه من الضروري الاستناد إلى النتائج الكارثية لثورته البائسة ومغامرته التافهة، واعتبارها أسبابًا لمزيدٍ من الهيجان؛ لئلا ينفد الوقود ويتوقَّف "القطار"، فادعاءات "الشهداء"، و"السجناء"، و"التعذيب"، و"الاضطهاد"، و"انتهاك الحرمات" ستكون أسبابًا للثورة على الرغم من أنَّها نتائج لها في كثير من الأحيان، وتلك محاولةٌ ذميمةٌ للتخلي من المسؤولية، ولإلصاق النتائج بالآخر، وهي مغالطةٌ للنفس وللضمير وللناس.


الإخوة والأخوات..


ليس خافيًا على أحد ما وصلت إليه أواصر الأمة الإسلامية من تقطُّعٍ منذ نحو 14 سنةً مضت، بعد الغزو الأمريكي للعراق، وصولاً إلى اشتعال الوطن العربي في محنته وفوضاه منذ العام 2010 وحتى اليوم؛ إذ لم يعد لصوت العقل والوسطية أثرٌ وسط بيئةٍ يملأها الحقد، وينتشر فيها الدمار والدم في كابوسٍ مزعجٍ ظنَّه الواهمون حلمًا جميلاً! 


فما إنْ أماط "المشروع" عن بعض لثامه، وأفاق الناس من "شيءٍ" من رقادهم، حتى كانوا أمام واقعٍ جديدٍ فرض نفسه عليهم، وأعاد "بَرْمَجَتَهُم"، وأرغمهم على تقحُّم الصعاب، رغم ما استشعروه في بواطنهم، واستيقنته نفوسهم من ندامةٍ وحسرةٍ يكابرون لئلا تظهر، فتوزَّع الناس على معسكراتٍ وألويةٍ طائفيةٍ وقوميةٍ وعرقيةٍ، فعمَّت الطائفية والعنصرية في بلداننا، وصار الرجل يرى "شرار قومه خيرًا من خيار قومٍ آخرين".. فأسهمنا في تقهقر بلداننا وتراجعها، وفي استنزاف خيراتها في حروبٍ تافهةٍ حِيكت ودُبِّرت بليلٍ. 


وبما أنَّ طبيعة الناس في الأزمات والنكبات أنَّهم يفضِّلون شفاء الغليل على تحقيق الأصوب والأسلم، فقد جنحوا إلى التدابر والتقاطع! ولا شكَّ في أنَّ إثارة الكراهية من أنجع الوسائل التي يستخدمها أهل السياسة والمكر لإلغاء العقل والحكمة؛ ليسهل عليهم قَوْد الناس عميانًا بعقلٍ جمعيٍّ لا يعي الحقائق والأمور. فالمعالجة الجادة تقتضي صبرًا وتسامحًا ونظرًا حصيفًا يندر وجودها في الأزمات وفي أوقات الاحتقان، كما تقتضي أنْ يكون الأمر بيد أهل العلم والبصيرة والدراية، وليس بيد العامة، فالبسطاء قليلو درايةٍ وصبرٍ وحكمةٍ، ولديهم الاستعداد الكافي لحمل مشاعر الكره، ونشرها، فهم يفضِّلون من يحاكي مشاعر التوثُّب والانتقام فيهم للتنفيس عما يغتلي في صدورهم من غيظٍ وإحباطٍ وكراهيةٍ وعُقَدٍ. 


أيها السيدات والسادة.. 


في 14 فبراير 2011 بدأت البحرين تدور في دوامةٍ وتجاذباتٍ حادَّةٍ انعكست على عقيدة المجتمع وثقافته وسلوكاته، وتطلُّعاته أيضًا.. ففي هذه الأزمة تسيَّدت الانفعالات والمزاجيات مشهدًا تحكَّم فيه العقلُ الجمعيُّ الغاضبُ والمغترُّ.


واليوم، وبعد مضيِّ نـحو سبع سنواتٍ عجافٍ، مازلنا نرى المكابرين يراوحون في أمكنتهم، ومازال الاغترار بالكثرة وبالقوة يعصف بالبلد، ليعتليَ المنصَّاتِ طرفا النقيض، فتعلو معهما الصرخات والهتافات الإقصائية، ويتحلَّق حولهما جمهورٌ "ساخطٌ".. ولا صوت يعلو صوت التخوين!


ووسط هذا الصخب الممجوج، يتساءل كلُّ طرفٍ عن "المعتدلين" حسب وصفه، في سعيٍ حثيثٍ لا لحلحلة الوضع وتحكيم العقل والمنطق، بل للاستقواء بهم، وإقحامهم في معركته، فهو يريدهم لأنه يراهم في دائرةٍ قريبةٍ من الآخر المقابل من الناحية المذهبية أو الاجتماعية.. فهما لا يناديان "المعتدلين" لتقريب الهوة وإعلاء الاعتدال، بل يريدانهم أدواتٍ للاحتراب، وقنواتٍ لاستنزاف الوطن ومقدَّراته.


والحقيقة التي لا بدَّ أنْ يعيَها الجميع أنَّ المسار الذي تسير فيه الأحداث، والطرقَ المتبعةَ في علاجها تلغي الاعتدال، وتخنق المعتدلين، وتحشرهم في زوايا لا يُنظر إليهم فيها إلا شزرًا، في وقتٍ انتفخت فيه الأوداج غضبًا، وتطاير الشرر من الأحداق، وتزبَّدت الأشداق!


فبعض السياسيِّين والطامعين –أيها الإخوة– استثمروا في الأزمة، ووضعوا "رساميلهم" في ترابها الخصب، ويزعجهم أنْ يخرج الصوت المعتدل، فهم متحفِّزون ينتظرون من المعتدل موقفًا غير ما يريدون، ليقعوا فيه، وينالوا منه، ويؤلِّبوا عليه، بل ويعتدوا عليه بالقول وبالفعل الآثم. فماذا يُراد من المعتدل أن يقول؟! 


علماء الاعتدال اليوم، وخطباؤه، ونخبه، ومجتمعاته بين فكَّيْ كماشة، وكلُّ طرفٍ يريد منهم موقفًا يطابق موقفه هو وإلاَّ فسيقوم برجمهم وتصنيفهم ضمن الطرف العدو، وهكذا يتم تقاذف المعتدلين وتسقيطهم وصلبهم على أعجاز نخلٍ خاويةٍ. 


نعم.. لقد أُلجم أهل الحكمة ودعاة السلام –أيها السادة، ولا رأي لمن لا يُطاع، ولا بدَّ أنْ ينبري كبراء الأمة وعلماؤها من مسموعي الكلمة، والقادرين على إحداث التأثير، لينفضوا هذا الرماد، ويُحدثوا هزةً في الضمائر، وألا يتركوا المجال لأهل السياسة وأصحاب الأغراض والطموحات الشريرة. وعندما يحين ذلك حقًّا، سيُقضى الأمر، وتستوي على الجُوديِّ، وستعود –بعناية السماء– حمامةُ السلام بغصن الزيتون.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مواد ذات صلة