1 يوليو 2019
هل يمكن تعريب الديمقراطية (3-3)
اتساقاً مع المفاهيم والمصطلحات التي تم تناولها في المقالتين السابقتين؛ والمتصلين بمفهوم الديمقراطية التوافقية والتوافق الديمقراطي، فإننا في هذه المقالة سنتطرق إلى الإطار الديمقراطي الذي من الضروري أن يضع في اعتباره البيئة العربية التي يعمل من خلالها وخصوصيتها.

اتساقاً مع المفاهيم والمصطلحات التي تم تناولها في المقالتين السابقتين؛ والمتصلين بمفهوم الديمقراطية التوافقية والتوافق الديمقراطي، فإننا في هذه المقالة سنتطرق إلى الإطار الديمقراطي الذي من الضروري أن يضع في اعتباره البيئة العربية التي يعمل من خلالها وخصوصيتها. 


لقد اتفق معظم منظرو الديمقراطية على إنها مشروع نسبي تتغير أنماطه وأشكاله بتغير المجتمعات وباختلاف الخصوصيات؛ فهي من المفاهيم التي لا تأخذ شكلاً محدداً لا يمكن التغيير فيه؛ بل هي مصطلح قابل للتطور من حيث الشكل والمضمون معاً، وتأخذ صورًا واشكالًا متغيرة عبر الزمن؛ لذلك قد يكون من الصعب الآن على العديد من القوى السياسية إنكار الديمقراطية أو التحجج بكونها لا تصلح كنظام حكم إلا إنه ينبغي أن يوضع في الاعتبار أهمية أقلمة هذا المفهوم بالشكل الذي يلائم بيئتنا وأولوياتنا الوطنية مع الوضع في الاعتبار أن الديمقراطية التي نعنيها هي تلك التي جربتها البشرية وطمحت لها فى دول كثيرة من دول العالم وأنها تٌبنى على خبرات مشتركة بين مختلف الشعوب وليست شيئا يتم تعريفه لأول مرة ولا مفهوم يؤخذ بشكله الظاهري دون الولوج إلى فلسفة هذا النوع من أنظمة الحكم، وليست نظام حكم يؤخذ كإطار خارجي لتجميل وجه نظام معين للتغطية على ممارسات تسلطية استبدادية بعيدة كل البعد عن الديمقراطية.


كما لابد أن يبدأ أي مفهوم وطني للديمقراطية بالاعتراف بأن الوطن العربي كيان ثقافي متمايز ومنتمي إلى عدد من الدوائر الحضارية المتداخلة (الإسلامية، والعربية، والاسيوية، والإفريقية، والفرعونية، والفينيقية، والبابلية، والآشورية بالإضافة إلى حضارة دلمون في مملكة البحرين)، كما أنه له ظروفه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الخاصة وتقاليده السياسية الممتدة والمتجذرة؛ وخاصة فيما يتعلق بالتأكيد على قيم العدالة، وأن هذه البيئة قادر على إثراء مفهوم الديمقراطية والتمتع بتجربة أصيلة لا تقوم على تقليد أو نسخ لغيرها من التجارب، وأن التوق لتجربة ديمقراطية أصيلة لا يمكن أن يعنى الإجحاف بأي شكل من الأشكال بالقيم المشتركة للإنسانية أو بالمبادئ والمعايير الأساسية للديمقراطية، وإنما يعني تجسيد هذه القيم بصورة تستجيب للحاجات الأصيلة والمشروعة لكل القوى الاجتماعية الكبرى ولحاجات الوطن العربي ككل وللضرورات التي يمليها التكوين الثقافي العربي، فالديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي أو كيان قانونى شكلي فحسب بل أن لها ماهية و فحوى يتلمسها الناس بالتجربة وبالممارسة أيضا، وأن كل استخدام لقاعدة قانونية شكلية ديمقراطية لتحقيق نتائج معاكسة للهدف منها أو للغرض الذى وضعت لتحقيقه هي غدر  وإجحاف بها.


ومن هذا المنطلق فإنه يجب أن نضع نصب أعيننا الفحوى الجوهرية للديمقراطية في كل العصور وهي أنها النظام الذي يقوم على سلطة الشعب وسيادة الأمة، وتحتاج إلى شروط تمهيدية أساسية تسمح بتطور ديمقراطي سليم وصحي دون أن تكون بذاتها جزءا من تعريفها، وتشمل هذه الشروط العناصر الأساسية التالية:

  • استقلال الإرادة الوطنية: إذ يصعب أن تعيش الديمقراطية في ظل فقدان الاستقلال السياسي والحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي الوطني. فالاستقلال الحقيقي يبدأ باستقلال العقل والهوية وبناء الذات الإنسانية الحرة والتخلص من القابلية للاستعمار ، فدون الإدراك الواعي بمقومات الهوية الحضارية والثقافية للأمة ومنظومتها القيمية تظل إطروحات الاستقلال الاقتصادي حلمًا بلا أسس راسخة ولا أرضية صلبة، وعندما تواجه الدول تحديات ضخمة تنكسر وتتراجع أحلام الاستقلال، كما إن التركيز على قضية الهوية الحضارية والدينية، دون الاستناد إلى مقومات تنمية اقتصادية مستقلة وإرادة سياسية صلبة، تبقى علاقات الهيمنة والاستغلال ولا تسمح بانطلاق ونهضة قائمة على أسس متماسكة.
  • التوافق على القيم الجوهرية للمجتمع وأركان ثقافته الوطنية: مع الوعي بالإضافات العظيمة التي يمكن أن تؤدى اليها الممارسة الثقافية الخلاقة والأصيلة التي تترجم الأهداف السامية والأساسية للمجتمع وقيمه الاسلامية. حيث أن هناك ضرورة على التوافق على الدور الكبير الذي يلعبه الاسلام في تكويننا الثقافي والأخلاقي والقومي. فتعزيز هذا الدور مطلوب وضروري. ويجب البناء على القيم الأخلاقية الرفيعة التي أكدها الاسلام، وتأصلت في نسيجنا الحضاري والمجتمعي. الا أن جانبا من هذا التوافق ينبغي أن يقوم على استبعاد بناء دولة دينية بمعنى منح أي جماعة-وخاصة رجال الدين-امتياز سياسي ما. وبالمقابل فإن بناء الدولة ونظامها وسياساتها يجب ألا يصطدم أو يتناقض مع القيم الأساسية للدين الإسلامي.
  • التوافق على معاني الاعتراف بالآخر والتسامح السياسي والفكري: فمن اللازم أن يكون هناك توافق يراعي حقوق المواطنة المتساوية وإقامة الممارسة السياسية على قاعدة المشاركة فى الوطن والمساواة في حقوق المواطنة واستبعاد كل صور التمييز على أساس الدين أو الجنس أو الأصل العرقي أو جهة الميلاد والاقامة أو أي اعتبار غير شخصي آخر. ويجب بصورة خاصة أن تتم مكافحة جميع صور الطائفية وتأكيد الوحدة الوطنية وأبعاد المؤسسات الدينية عن المجال السياسي، واعتبارها مرافق عامة مفتوحة ومتاحة للجميع يرأسها أشخاص يتمتعون بالاحترام العام، على ألا يسمح لهم بمزاولة الوظائف أو الأدوار السياسية اثناء شغل وظائفهم الدينية. وفي الحد الأدنى يجب إقامة العلاقات الدينية على أساس التسامح والاحترام المتبادل وتحصين المعتقدات الدينية من الهزل والسخرية أو الإهانة دون اجحاف بحق المناقشة العاقلة والمفيدة لكل الأفكار والنصوص أو الممارسات في سياقات تضمن حرية البحث والابداع.
  • تحقيق الحد الأدنى من النهوض الاقتصادي والمجتمعي: وذلك يعتبر شرط ضروري لمواصلة وتنمية تجربة ديموقراطية ذات معنى وقابلة للحياة والازدهار. وفي هذا السياق فإن أي نظام ديموقراطي يفقد جانبا كبيرا من ضرورته أن لم يُمكن المجتمع من الانطلاق والنهضة فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واحداث شبه قطيعة مع الفقر والتخلف.

وبالتالي فإن توافقًا ديمقراطيًا عربيًا يراعي ما سبق واجملنا يعتبر مدخلًا ضروريًا لعملية تحول ديمقراطي تدريجي حقيقي في مجتمعاتنا العربية، ويجعل من نموذج الديمقراطية التوافقية - والذي ثبت فشله في العديد من الدول الذي طبق بها في مرحلة ما بعد الاستقلال-  لا نستطيع ان نستدعيه للتطبيق في بيئتنا العربية باعتباره يشكل مثير نشط للخلافات الطائفية والعرقية والدينية في المنطقة، كما ان نموذج التوافق الديمقراطي، رغم جاذبيته، فانه يحتاج الى عمل وطني توعوي على الأرض وبين الشعوب بالشكل الذي يمكنهم من المعرفة الدقيقة بقواعد الديمقراطية السليمة  التي يبدو انها تحتاج الى إطار  وطني يراعي ثراء الخصوصية الثقافية العربية وتدرجية التطبيق الذي يجنب المنطقة ويلات الصدمات السياسية التي اكتوت بنارها منطقتنا العربية من المحيط الى الخليج. 


وعليه فإن الديمقراطية هي شكل ومضمون، فهي ليست مجرد ورقة تلقى في صندوق الانتخاب أو مقعد تحت قبة البرلمان، حيث أنها تشمل مبادئ تتمثل في الحرية والمساواة والتعايش والعدالة وهي قيم تتعلق في المقام الأول بالشعوب وليس الأنظمة، وبالتالي فإنه لا ينبغي أبداً الاكتفاء بالتركيز على الجانب الإجرائي- الشكلي  من الديمقراطية المتعلق بتنظيم الانتخابات، وإنما ينبغي إضافة الجانب  الموضوعي  المرتبط بالثقافة المجتمعية، فإقامة النظم الديمقراطية لا تكتمل بدون الانتقال من الشكل الى جوهر يراعي الخصوصية الثقافية ويؤمن بمبدأ التدرجية في التغيير والتحول الديمقراطي في ظل وجود قيادة وطنية مستنيرة تستطيع ان تضمن تمكين المجتمع ديمقراطيا ، وهنا فقط من الممكن الحديث عن إمكانية ناجحة لتعريب الديمقراطية. 


إعداد وكتابة: خالد فياض 

المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية

روابط ذات صلة