6 مايو 2019
التنمية السياسية والتنمية المستدامة .. أية علاقة؟
حضرت الشهر الماضي مؤتمرا علمياً بجامعة البحرين حمل عنوان "نحو تخطيط استراتيجي للتنمية المستدامة في إطار التشريع والقضاء " وقد شارك في تنظيم المؤتمر كل من كلية الحقوق بجامعة البحرين ومعهد البحرين للتنمية السياسية. وعلى مدار يومي المؤتمر تعقبني العديد من الطلاب وبعض من المشاركين في المؤتمر بسؤال هام وهو " ما علاقة معهد البحرين للتنمية السياسية بمثل هذا النوع من المؤتمرات ولماذا المشاركة في تنظيمه؟ وهل هناك أية علاقة بين التنمية السياسية والتنمية المستدامة؟ وقد اعتبرت اجاباتي عليهم مختصرة إلى حد كبير فأردت في تلك المقالة تفصيل ما قمت بإجماله في اجاباتي.

حضرت الشهر الماضي مؤتمرا علمياً بجامعة البحرين حمل عنوان "نحو تخطيط استراتيجي للتنمية المستدامة في إطار التشريع والقضاء" وقد شارك في تنظيم المؤتمر كل من كلية الحقوق بجامعة البحرين ومعهد البحرين للتنمية السياسية. وعلى مدار يومي المؤتمر تعقبني العديد من الطلاب وبعض من المشاركين في المؤتمر بسؤال هام وهو " ما علاقة معهد البحرين للتنمية السياسية بمثل هذا النوع من المؤتمرات ولماذا المشاركة في تنظيمه؟ وهل هناك أية علاقة بين التنمية السياسية والتنمية المستدامة؟ وقد اعتبرت اجاباتي عليهم مختصرة إلى حد كبير فأردت في تلك المقالة تفصيل ما قمت بإجماله في اجاباتي. 


يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في العصر الحديث وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى. وقد برز مفهوم التنمية بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بعملية التطور الديمقراطي في العالم.


وقد توافقت العديد من الكتابات الغربية على تعريف التنمية السياسية باعتبارها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب غايته إيجاد نظم تعددية تحقق المشاركة السياسية وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة المدنية. وبالتالي فهو مفهوم يقوم على مجموعة من القواعد فهناك القاعدة القانونية والتي تشير الى سيادة القانون على جميع مواطني الدولة والقاعدة الاقتصادية-السياسية والتي تتمثل في تحقيق العدالة بإشباع الحاجات المادية للمواطنين وقاعدة إدارية -سياسية تتمثل بالقدرة على أداء الأدوار والوظائف في شتى الميادين وأخيرًا قاعدة اجتماعية سياسية وتتمثل بوجود مجتمع سياسي يتمتع بثقافة سياسية معينة.


ولاحقًا تطور مفهوم التنمية السياسية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك علاقة بين التنمية السياسية والتنمية الثقافية والتنمية الاجتماعية. كما تبلورت علاقة محددة بين التنمية السياسية بمفهومها الخاص والتنمية البشرية كمفهوم عام.


ثم برز مفهوم "التنمية المستدامة " التي أصبحت هدفا للشعوب في كافة انحاء العالم حيث برزت الاستدامة باعتبارها رؤية جديدة للبحث عن بناءات اجتماعية ونشاطات اقتصادية وأنماط إنتاجية واستهلاكية وتقنيات تعمل على استدامة البيئة وتمكين الجيل الحالي وتحسين حياته وضمان حياة ملائمة للأجيال القادمة. ولتحقيق ذلك، كان من الأهمية إعادة صياغة النشاطات الحالية وابتكار وسائل جديدة والعمل على دمجها في البيئة القائمة لخلق تنمية مستدامة على أن تكون مقبولة ثقافيا وممكنة اقتصاديا وملائمة بيئيا وعادلة اجتماعيًا. الأمر الذي من شأنه الإبقاء على التقدم الإنساني وهو ما يتطلب الوقوف عند حدود معينة في التعامل مع الموارد الطبيعية وتوظيفها.


وهنا برزت العلاقة الارتباطية بين مفهومي التنمية السياسية والتنمية المستدامة والتي أدت الى بروز وجهتي نظر تجاه هذه العلاقة الأولى ترى أنه ليست هناك علاقة ضرورية بين  التنمية السياسية والتنمية المستدامة وأنه اذا كانت هناك علاقة فهي في اتجاه أن عملية التنمية المستدامة هي التي تفضي الى التنمية السياسية فعملية التنمية بشكل عام يمكن ان تتم في اطار نظام سياسي تسلطي او ديمقراطي ولكن بمجرد ان يحقق النظام السياسي خطوات على صعيد عملية التنمية بشكل عام والمستدامة بشكل خاص فانه يكون قد كون الأساس المجتمعي الذي يمكنه من مد نطاق المشاركة السياسية تدريجيا الى فئات اجتماعية أوسع وبالتالي تحقيق معدلات تنمية سياسية أكبر. بعبارة أخرى فان التنمية المستدامة تؤدي الى تعقد وتشعب دور الدولة بما يجعل من الصعب ادارته بدون قدر من اللامركزية والديمقراطية. لذلك فالتنمية المستدامة تتطلب في البداية دورا قويا للدولة مما لا يسمح بتعدد مراكز صنع القرار بل ان هؤلاء ذهبوا الى القول بأن مقرطة النظام ربما تعطل عملية التنمية عموما والمستدامة على وجه الخصوص.


أما وجهة النظر الثانية فإنها تنطلق من تصور وجود علاقة عضوية وثيقة بين الديمقراطية، والتي تعتبر المحور الأساسي في عملية التنمية السياسية، والتنمية المستدامة وأن هذه العلاقة  تعمل في اتجاه تأثر التنمية المستدامة إلى حد بعيد بالاطار السياسي فمن الصعب أن تنجز عملية التنمية المستدامة القائمة على التشاركات المجتمعية أهدافها دون ان تكون الديمقراطية ركنا أساسيا من أركان النظام الاجتماعي، ويرتكز هذا التيار على خبرة التنمية عموماً في الدول التسلطية، حيث يرجع سبب انهيار عملية التنمية عموماً  بها الى ذلك الاطار التسلطي للنظام السياسي وبالتالي فإن أهمية الاطار الديمقراطي للتنمية تنبع من كونها تهيئ المناخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي  والبيئي وتشجع روح الابتكار وتخلق من الشفافية ما يمكن معه من اجراء عملية تنمية مستدامة بتعاون مجتمعي بناء.


من هنا كانت مشاركة المعهد في المؤتمر المشار إليه، حيث جاء ذلك انطلاقا من رؤيته بأن عملية التنمية المستدامة من الصعب أن تقوم قواعدها السليمة إلا بوجود دور قوي لمؤسسات الدولة المدنية الحديثة، من خلال عملية مشاركة سياسية قوية وبناء اجتماعي متماسك ورؤية وطنية واضحة شاملة، وهو ما تمثل في المشروع الإصلاحي الذي طرحه وأرسى دعائمه جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، وبالتالي فهي علاقة عضوية لا انفصام فيها تتم بشكل تدريجي وطني توافقي شفاف. وهو ما يحرص معهد البحرين للتنمية السياسية على القيام به منذ انشائه ويسعى الى تطوير هذا الدور بما يعزز الشراكة المجتمعية ويطور منها. خاصة أن من بين اهداف المعهد الأساسية هو نشر ثقافة الديمقراطية ودعم وترسيخ مبادئ الديمقراطية السليمة.


إعداد وكتابة: خالد فياض 

المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية 

مواد ذات صلة