15 ابريل 2019
الانتخابات البلدية .. محدودية الخيارات أمام الناخب البلدي (1-2)
يعتبر النظام البلدي في أي دولة هو عبارة عن حكومة مصغرة تمارس النشاطات الإدارية داخل الحدود الجغرافية للدولة، فهي حكومة مصغرة للخدمات وتمثل تطبيق مهم للديمقراطية المباشرة وذلك من خلال تمثيل اشخاص يتم انتخابهم من قبل مواطني المنطقة التي تمثل الحدود الجغرافية للبلدية.

يعتبر النظام البلدي في أي دولة هو عبارة عن حكومة مصغرة تمارس النشاطات الإدارية داخل الحدود الجغرافية للدولة، فهي حكومة مصغرة للخدمات وتمثل تطبيق مهم للديمقراطية المباشرة وذلك من خلال تمثيل اشخاص يتم انتخابهم من قبل مواطني المنطقة التي تمثل الحدود الجغرافية للبلدية. 


فعملية انتخاب أعضاء المجلس البلدي ومن ثم ممارسة المجلس البلدي لمهامه من قرارات إدارية في ضوء الاختصاصات المحددة دستوريا وقانونيا، جعل هذه العملية طريقا للتدريب الحقيقي على ممارسة الديمقراطية مما يشكل زيادة في وعي الناخبين بأهمية المشاركة السياسية في إدارة شؤون البلاد. 


من هذا المنطلق تبرز أهمية الانتخابات البلدية باعتبارها مدخل للممارسة الديمقراطية بمعناها السياسي كما أن المجالس البلدية تشكل مدرسة للتنشئة السياسية لتمثيل المواطنين وإدارة شؤونهم العامة. في هذه المقالة سوف نحاول تحليل الانتخابات البلدية في مملكة البحرين منذ تولي جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة لشؤون الحكم أي سنقوم بتحليل خمسة استحقاقات انتخابية بلدية بهدف التحليل لقياس حجم المشاركة الانتخابية في الانتخابات البلدية ودلالات هذه المشاركة وانعكاسها على نتائج الانتخابات البلدية. 


وسوف يتناول التحليل أولاً أحد أهم مؤشرات المشاركة في الانتخابات البلدية وهو الترشح لما يمثله من دلاله على الاهتمام بتلك الانتخابات والرغبة في التواجد داخل هذه المجالس للإيمان بدورها الهام في إدارة شؤون المجتمع؛ ثم نتناول في المقالة الثانية انعكاسات عملية الترشح تلك على نتائج الانتخابات البلدية وذلك في الفترة من عام 2002 حتى عام 2018.


الترشح للانتخابات البلدية

التطور الكمي للمترشحين زمنياً


بعكس الانتخابات النيابية؛ والتي شهدت اتجاها تصاعديا من حيث كم المترشحين، فإن الانتخابات البلدية شهدت العكس، بل لو قمنا بتصور منحنى لعدد المترشحين البلديين منذ أول انتخابات بلدية جرت في عهد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه؛ فسنلاحظ أنه منحني هابط بشكل واضح يبدأ بقمته في انتخابات 2002 بمشاركة 306 مترشح ثم يأخذ اتجاها هابطا بشكل حاد بنسبة انخفاض تصل الى النصف  في انتخابات 2006 بكم مترشحين بلغ 171 مترشح، إلا أن المنحنى بدأ في الصعود المحدود في انتخابات 2010 ليصل إجمالي المترشحين إلى 181 مترشحا؛ ثم يعود المنحنى لاتجاهه السائد الهابط في انتخابات 2014 بمشاركة 153 مترشح ليصل إلى أكبر هبوط له في انتخابات 2018 بمشاركة 137 مترشح فقط؛ وهو الرقم الأقل من حيث كم المترشحين منذ انتخابات 2002.


 ورغم أن ذلك يشكل مؤشراً سلبيًا على درجة الاهتمام بالمشاركة في الانتخابات البلدية، إلا أنه من الأهمية أن يوضع في الاعتبار أن هذا التراجع قد يفسر نتيجة للدور المحدود الذي تلعبه البلديات في الحياة العامة في مملكة البحرين خاصة أنها دولة محدودة المساحة الجغرافية؛ مما ينعكس على محدودية حجم الدوائر الانتخابية جغرافيا وسكانياً وصعوبة التفرقة بين الحدود الفاصلة بين الخدمات التي يقدمها العضو البلدي والخدمات التي يقدمها العضو النيابي. أضف إلى ذلك أنه منذ الانتخابات البلدية عام 2014، فقد تم إلغاء الانتخابات في العاصمة والاكتفاء بتعيين أعضاء مجلس امانة العاصمة من أهل الحكمة والخبرة للاستفادة بهم في دعم العمل البلدي في المحافظة. مما أثر على كم المترشحين عموما في المملكة. 


التوزيع الجغرافي لمترشحين 


كانت  محافظة المحرق، وهي أصغر المحافظات من حيث المساحة، وهي أيضا لم تكن أبدا الأولى من حيث عدد الناخبين،  كانت المحافظة الأكبر  من حيث عدد المترشحين في معظم الانتخابات البلدية التي جرت في المملكة وهي تحديدا أربعة انتخابات 2002 (81 مترشح بنسبة 26 % من إجمالي المترشحين في تلك السنة) 2006 (37 مترشح بنسبة 22% من إجمالي المترشحين في المملكة) 2010 (52 مترشح بنسبة 28.7% من إجمالي المترشحين)2014 ( 56 مترشح بنسبة 36.6% من إجمالي المترشحين)؛ في حين استحوذت المحافظة الشمالية على النسبة الأكبر من المترشحين في انتخابات 2018 ( 58 مترشح بنسبة 42% من اجمالي المترشحين) .وهو ما يؤشر الى اهتمام ناخبي محافظة المحرق بالانتخابات البلدية عن الانتخابات النيابية واعتبارها الأقرب إلى قضاياهم وهمومهم خاصة إن محافظة المحرق من المحافظات التي شهدت إرهاصات العمل البلدي في المملكة في مرحلة ما قبل اعلان الدولة ذاتها. 


أما المحافظة الجنوبية ورغم كونها تعتبر من أكبر المحافظات من حيث المساحة إلا أنها كانت من أقل المحافظات من حيث كم المترشحين في معظم الانتخابات التي جرت في المملكة منذ عام 2002، ولم تخرج عن هذه القاعدة سوى انتخابات 2014 حيث كانت المحافظة الشمالية هي الأقل من حيث عدد المترشحين بإجمالي 46 مترشح بنسبة 30% من اجمالي المترشحين وانتخابات 2018 حيث كانت محافظة المحرق هي الأقل بإجمالي 37 مترشح بنسبة 27% من اجمالي المترشحين. وان كان لذلك من دلالة فهو ان المحافظة الجنوبية اقل اهتماما بالأمور الخدمية الاجتماعية بالمقارنة بالقضايا الأخرى التي تتصل باهتمامات ناخبيها. 


التوزيع النوعي للمترشحين


من حيث التطور النوعي للمشاركة الانتخابية للمرأة المترشحة للبلديات  فنحن أمام منحنى متردد الصعود والهبوط فرغم أن انتخابات 2002 هي الأكبر من حيث عدد المترشحات للانتخابات البلدية؛ حيث وصل عدد المترشحات إلى 31 إمرأة  فإن انتخابات 2006 كانت هي الأقل من حيث كم المترشحات حيث لم يترشح لعضوية المجالس البلدية سوى 5 نساء، إلا أن المنحنى أخذ اتجاها تصاعديا مع انتخابات 2010 حيث ترشح 9 نساء، واستمر المنحنى في اتجاهه التصاعدي في انتخابات 2014 وترشحت 12 نساء؛  ثم عاد المنحنى للهبوط مرة أخرى مع انتخابات 2018 واقتصر عدد المترشحات على 8 فقط وهو ما يعكس قدرا من عدم الاهتمام من جانب المرأة بالانتخابات البلدية ورغبتها في اثبات قدراتها في المجلس النيابي الذي يشهد منحنى ترشح المرأة فيه اتجاها تصاعديا ثابتاً. 


وعلى مستوى التوزيع النوعي للمترشحين جغرافياً فالعلاقة كانت عكسية بين مستوى التحضر وعدد المترشحات للانتخابات البلدية حيث كانت محافظة العاصمة هي من اقل المحافظات من حيث عدد المترشحات وذلك في انتخابات 2002، 2006، حيث شاركت مترشحة واحدة فقط في انتخابات 2002 ولم تترشح أي سيدة في تلك المحافظة في انتخابات 2006 في حين كانت محافظة المحرق من أكثر المحافظات من حيث عدد المرشحات في انتخابات 2006، 2014،إلا ان المحافظة الشمالية صارت هي المحافظة الأكبر من حيث كم المرشحات بالمقارنة بباقي المحافظات في الانتخابات البلدية  عام 2018 . وهو أمر يرتبط بشكل واضح بارتفاع المشاركة الانتخابية بمعناها العام في المحافظة الشمالية في انتخابات 2018 سواء على مستوى الترشح النيابي أو البلدي أو حتى على مستوى مشاركة المواطنين في العملية الانتخابية. 


وهكذا كانت عملية الترشح للانتخابات البلدية مؤشرا واضحا على تراجع الاهتمام بها من جانب النخبة الاجتماعية البحرينية وهو عكس ما حدث تماما مع الانتخابات النيابية مما يشكل تحديا أمام الناخب نتيجة تقلص خياراته المتاحة واضطراره إلى البحث عن الخيار الأكثر قربا لتطلعاته وليس الخيار الأفضل. وهو أمر يفرض تحديا واضحا في ضرورة قيام المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بدورها في بث روح الوعي مرة أخرى في المواطنين بأهمية تلك المجالس وبالدور الحيوي الذي يجب ان تقوم به، كما يجعل من الأهمية على المعنيين توضيح خطوط التمايز بين دور العضو البلدي والعضو النيابي حتى لا يختلط دور هذا بدور ذلك. 


إعداد وكتابة: خالد فياض 

المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية 

مواد ذات صلة