17 يونيو 2019
تعريب الديمقراطية (1-3)
أصبحت الديمقراطية، كنظام حكم وثقافة مجتمعية، أعظم قوة حضارية معاصرة فقد اصبحت غاية شعبية كنظام، وصارت وسيلة مثلى لحل المشاكل في العالم كثقافة. فعُرفت الديمقراطية بأنها اتفاق المختلفين بالسلام. والتشارك في الامور. كونها آلية تنظيم امور الحكم. ومنهاجا لممارسة السلطة. ونظام حياتي لبني البشر لكي يتعلموا ان يعيشوا بسلام.

أصبحت الديمقراطية، كنظام حكم وثقافة مجتمعية، أعظم قوة حضارية معاصرة فقد اصبحت غاية شعبية كنظام، وصارت وسيلة مثلى لحل المشاكل في العالم كثقافة. فعُرفت الديمقراطية بأنها اتفاق المختلفين بالسلام. والتشارك في الامور. كونها آلية تنظيم امور الحكم. ومنهاجا لممارسة السلطة. ونظام حياتي لبني البشر لكي يتعلموا ان يعيشوا بسلام.


وقد جرت مياه كثيرة تحت جدار هذا المفهوم، وكثيرين هم من حاولوا تسيير هذه المياه بأهداف مختلفة، فمنهم من حاول تطويره ومنهم من حاول تطويعه لأفكاره ومآربه الخاصة والعامة، ومنهم من حاول جعله مفهوم جامد واتخذه وسيلة عنصرية لإقصاء أي معارض سياسي بحجة انه لا يؤمن بها بطريقة معينة وأسلوب معين، وحاول البعض الآخر توطين هذا المفهوم محافظاً على جوهره مرناً في تطبيقه وأقلمته مع الخصوصيات الثقافية للمجتمع. 


وكانت المنطقة العربية ،تاريخياً ، ساحة لكل ما سبق ، إلا اننا في هذا المقال سنتطرق فقط لنوعين من الديمقراطية كانا محلاً للأخذ والرد في التجربة العربية ، الأول كان الديمقراطية التوافقية ، والثاني كان التوافق الديمقراطي ، وبغض النظر عن مدى نموذجية ذلك التطبيق ، إلا انها كانت أيضا محاولة ضمن محاولات عديدة تمت لتعريب الديمقراطية ، محاولين في النهاية الاقتراب من نموذج ديمقراطي عربي يراعي الخصوصية الثقافية العربية دون افتئات على جوهر الديمقراطية او ادعاء مشوب برغبة في القفز على توافقات الشعوب وآمالها في حكم نفسها. 

الديمقراطية التوافقية Consensus democracy 

ظهر مصطلح الديمقراطية التوافقية كرد فعل على العديد من الاحداث والمصادمات التي وقعت في الدول حديثة الاستقلال ذات التعددية الاجتماعية الواضحة سواء على المستوى القومي او الجغرافي او الاثني او الديني، الامر الذي وضع علماء الاجتماع السياسي امام تحد حقيقي ينبغي مواجهته ديمقراطيا حيث ظهرت ثلاثة أنواع من الحلول لمعالجة المشاكل السياسية في هذا النوع من المجتمعات مع الحفاظ على طبيعته الديمقراطية:


أولها: إزالة الطابع التعددي للمجتمع او تقليصه بصورة جوهرية عبر الاستيعاب، وهي طريقة ذات احتمالات ضئيلة في النجاح على المدى القصير خصوصا. وقد ثبت فشل هذا الحل في العديد من دول العالم الثالث التي حاولت عمل استيعاب شكلي ظاهري في البداية اعقبته باستيعاب أمنى كان ثمنه آلاف الضحايا من المدنيين من أبناء الجماعات الأساسية في المجتمع على غرار حروب الهوتو والتوتسي في بورندي أو الحرب الاهلية في يوغسلافيا السابقة.


ثانيا: الحل التوافقي الذي يقبل بالانقسامات التعددية باعتبارها لبنات البناء الأساسية لنظام ديمقراطي مستقل. وهو حل رغم صعوبته الا انه أكثر الحلول السلمية وجاهه واستيعابا لواقع التعددية بكافة اشكالها في المجتمع وقد تم تطبيقه في العديد من التجارب خاصة في الدول حديثة الاستقلال مثل اندونيسيا.


ثالثاً: تقليص التعدد عبر تقسيم الدولة الى دولتين منفصلتين متجانستين او أكثر. وهو حل تفتيتي سهل، يقفز على المشكلة على حساب الأولويات الوطنية ومقتضيات الامن القومي ، ويفتح الطريق امام جماعات أخرى مختلفة مع الجماعة الام ليكون لها أيضا تطلعات انفصالية تحت دعوات اثنية تارة ودينية تارة وقومية تارة أخرى.


من هنا ظهرت فكرة الديمقراطية التوافقية التي ولدت من رحم الاحتمال الثاني وهو الحل التوافقي الذي يقبل الانقسامات التعددية، حيث اعتبر هذا النموذج الديمقراطي نموذج يعتمد على تقسيم السلطة بين الجماعات داخل الدولة حسب نسب معينة (وهناك عدة طرق لهذه النسب) وهذه الجماعات يمكن ان تكون عرقية أو دينية او قومية او مذهبية تجمعهم صفتان رئيستان هما المواطنة والولاء للدولة (نموذج سويسرا، بلجيكا) ويختص نموذج الديمقراطية التوافقية لنفسه مجموعة من الخصائص اهمها:

  • الحكومة الائتلافية تتكون من ممثلي كافة الجماعات داخل الدولة. وهذه الجماعات تكون اما اثنية او قبلية او حتى أيدلوجية، أو دينية مذهبية. 
  • أن ممثلي هذه الجماعات المختلفة أحيانا ما يتمأسسون داخل كيانات مدنية حديثة قد تكون على شكل أحزاب سياسية او منظمات أهلية مدنية او هكذا تبدو. 
  • ان النخب الممثلة لهذه الجماعات عادة ما يتمتعون بحق النقض داخل مراكز صنع القرار سواء كانت مؤسسة تشريعية او تنفيذية او حتى قضائية. 
  • ان ممارسة هذا الحق (حق النقض) يكون مسموح به في حالة وجود قرار يمس بحقوق جماعة معينة ويؤثر على وضعيتها الاجتماعية والسياسية وحقوقها المكتسبة.

وبالتالي فالديمقراطية التوافقية تفترض اتفاقا على ترتيبات اجرائية محددة لضمان تمثيل مختلف الهويات الموجودة في المجتمع، بما في ذلك تلك التي يقل عدد المنتمين اليها عن مئات قليلة من السكان، فهي شكل من أشكال الحكم المطبقة في بعض البلدان غير المتجانسة شعبيا. وهي تقضي بإعطاء حق الحكم بالتوافق فيما يتعلق ببعض الأمور الأساسية للجماعات المتمايزة عن بعضها البعض، والمكونة في مجموعها للدولة، والتمايز يكون سببه عادة اختلافا في الأصول الاثنية أو اللغوية او الدينية. ويزداد التمايز عندما تكون لدى كل جماعة هواجس معينة تجعلها خائفة دوما من احتمال طمس هويتها من قبل الجماعات الأخرى، أو ذوبانها ضمن الأغلبية السكانية أو الانتقاص من حقوق افرادها الخاصة أو العامة فيتماسك الأفراد داخل كل جماعة مكونين بذلك قوة سياسية تتنافس مع غيرها من القوى الأخرى مثيلاتها ، وقد يصل بهم الأمر إلى حد التعصب لهويتهم الخاصة أو العامة فيتماسك الأفراد داخل كل جماعة مكونين بذلك قوة سياسية تتنافس مع غيرها من القوى الأخرى مثيلاتها ،وقد يصل بهم الأمر إلى حد التعصب لهويتهم الخاصة بهم فيشعر المواطن نتيجتها أن له هويتين ، هوية نابعة من انتمائه إلى جماعته وأخرى نابعة من انتمائه السياسي إلى الوطن الذي يحمل جنسيته، وعندما تحتدم العصبيات بين الجماعات يتنازع الفرد هاتين الهويتين،  بحيث تطغى في الغالب هويته الخاصة ،ذات الطبيعة العنصرية الضيقة ، على هويته الوطنية.


وهنا يتوزع شعب هذه الدولة بين قوى سياسية لكل منها خلفياتها وخصوصياتها التي تجعلها مختلفة أو متمايزة عن غيرها، ويتم اللجوء إلى هذا النوع من التوافق في حال انعدمت الثقة المتبادلة بين هذه القوى الخائفة من بعضها البعض أو في حال عجزت هذه القوى المتنافسة عن تحديد الغايات والآمال المشتركة التي تكفل عادة جميع المواطنين وصهرهم ضمن بوتقة وحدة وطنية صلبة ومتماسكه. فهي تعتبر نوع من الكونفدرالية حيث تؤخذ الآراء بالإجماع، ويكون لكل جماعة فيتو او حق نقض يمنع صدور أي قرار في الأمور المصيرية من دون موافقتها. 


ولكن هل هذا النظام كفيل بإقامة نظام ديمقراطي حقيقي تستطيع من خلاله الدولة الحفاظ على مدنيتها على الأقل او كينونتها كدولة في حد ذاتها؟ هل استطاع هذا النظام منع تداخلات وتقاطعات اثنية او دينية او حتى أيدلوجية عابرة للدولة الموحدة؟ هل يعتبر هذا النظام مدخلاً حقيقيا لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة بمعنى هل هؤلاء المؤيدين لذلك النوع من الحكومات والأنظمة استطاعوا تطبيقيا تحويل هذا النظام الى نظام ديمقراطي حقيقي بعيدا عن التفتيتات العرقية او الدينية؟ هذه الأسئلة وغيرها سوف تكون اجابتها موضوع المقال القادم ان شاء الله. 


إعداد وكتابة: خالد فياض 

المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية

مواد ذات صلة