31 أكتوبر 2019
هويتنا العربية بين التمسك والتماسك
تعرضت الهوية العربية الإسلامية في السنوات الأخيرة لسلسلة من الاختبارات القاسية نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي تعاني منها العديد من دولنا العربية، وبروز تدخلات قوى خارجية تحمل هويات ثقافية مغايرة ومتعارضة في معظم الأحيان مع هويتنا العربية؛ الأمر الذي فرض علينا ضرورة التصدي لمثل هذا التحدي الهوياتي.

تعرضت الهوية العربية الإسلامية في السنوات الأخيرة لسلسلة من الاختبارات القاسية نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي تعاني منها العديد من دولنا العربية، وبروز تدخلات قوى خارجية تحمل هويات ثقافية مغايرة ومتعارضة في معظم الأحيان مع هويتنا العربية؛ الأمر الذي فرض علينا ضرورة التصدي لمثل هذا التحدي الهوياتي.


والهوية هي عبارة عن جملة الصفات والخصائص الجوهرية التي تميز مجموعة بشرية معينة، تدفعها إلى التمايز في علاقاتها التي تنسجها مع محيطها الإنساني. بمعنى أن الهوية تتشكل عبر عملية تنشئة اجتماعية يتعرض لها مجتمع ما على مدى فترة زمنية طويلة نسبيا من جانب كافة المؤسسات والكيانات الاجتماعية التي يتشكل منها ذلك المجتمع. فالهوية الثقافية لأمة من الأمم هي القدر الثابت والقاسم الجوهري المشترك من السمات والقسمات العامة التي تميز حضارة تلك الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية الوطنية أو القومية طابعا تتميز به عن الهويات الوطنية والقوميات الأخرى. وأي هوية لا تكتسب مقدرتها على البقاء فضلا عن مصداقيتها إلا بقدرتها على التطور والتفاعل مع المعطيات الاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية وبوعيها لهذه الخصوصية المرنة والانفتاح والاستجابة النقدية. 


والأمة المأزومة هي التي تعاني خللا تركيبيا في بنائها يقودها في بعض الأحيان إلى التفكك والتشرذم تحت عناوين وهويات فرعية لا تقوى على الصمود والاستمرار نتيجة للتزاحم المفترض فيما بينها أو مع محيطها الإقليمي والدولي، وهو ما ينطبق على عالم اليوم؛ فلقد ساهم انتشار ثقافة المعلومات في توسيع مدى التواصل والاحتكاك بين شعوب الأرض؛ حيث تدفقت المعلومات وانتشرت في جميع الأماكن وذلك بواسطة وسائل الاتصال والإعلام التي تقذف كل يوم باتجاه الافراد بعدد لا يحصى من الصور والمعلومات والوقائع داعمه الصلات القائمة بينهم وبين العالم الخارجي، وهو ما أدى إلى نتائج خطيرة  كان أهمها تقوقع الهويات الوطنية والرغبة في صيانة الخصوصيات المحلية، وجعل العديد من الشعوب والقوميات تعيش في ظل هاجس الخوف من ضياع الهوية وذوبانها وجعل من منظومات القيم والرموز والمرجعيات وأنماط العيش تعيش حالة من التهديد الذي يطال ثوابتها وأسسها.


ونتج عن ذلك إلغاء الحوار الثقافي كخيار أكثر وعيًا وعدلًا، وافسح المجال أمام هيمنة ثقافة الأقوى والأكثر نفوذًا لفرض نموذج ثقافي معين، مما نتج عنه تهديد هويات الأضعف والأقل نفوذًا في عالم اليوم، وتدخلت الهوية الأقوى لتعديل الهويات الأضعف وإخضاعها لمصالحها، وهذا الأسلوب فرض نسقا من القيم يبرر النظام الجديد المهيمن ويساهم في إرباك عمل المؤسسات الاجتماعية والثقافية التقليدية مثل الأسرة والمدرسة والمسجد، جراء خضوعها لضغوط قوية تؤثر في بنيانها. وهو ما أنتج ما عرف بالإمبريالية الثقافية، والتي شرعت من خلالها الثقافة الغربية في غزو الثقافات الوطنية للشعوب الأخرى والتغلغل فيها والهيمنة على عناصر كثيرة منها ، وتعرضت الهوية الوطنية لمخاطر التغريب Westernization  وهمشت قضايا رئيسة ومصيرية، وتم زرع بذور الضعف والشك في نفس أصحاب الثقافة الأضعف حتى يتنكر أصحاب هذه الثقافة لجميع قناعاتهم الوطنية والقومية والإيدلوجية والدينية بهدف تجريدهم من كل وسائل المقاومة وشل عزيمتهم وإضعاف روح النقد والرفض داخلهم حتى يستسلم إلى واقع الإحباط واليأس واللا معنى ويقبل في النهاية بالخضوع للقوى صاحب النفوذ الأكثر هيمنة.


والهوية العربية -الإسلامية شأنها شان بقية الهويات المأزومة لم تسلم من مخاطر ثورة الاتصالات حيث يعيش المجتمع العربي في المرحلة الراهنة صراعا مزدوجاً، الأول هو مع الذات لتحقيق هويته وإعادة ربط حاضره ونظرته إلى المستقبل بماضيع وعقيدته، والثاني هو صراع مع الآخر على كافة المستويات في محاولة جادة لاستثمار قدراته وثرواته الطبيعية والبشرية للحد من الضغط والتبعية وآثار التغريب الثقافي.


ومن أجل ضبط حركة هذا الصراع لصالح الهوية العربية؛ ينبغي أن تكون المواجهة واقعية وعقلانية وشاملة فعلى المستوى التنموي من الأهمية إحداث نهضة تنموية حقيقية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعدم الاكتفاء بترديد شعارات الحفاظ على العادات والتقاليد دون أن يتوازى مع ذلك تنمية شاملة وحقيقية تعزز من انتماء أبناء المجتمع لتلك الهوية والتمسك بها في مواجهة تلك الهجمة الشرسة التي تهددها.


كما صار لزاما علينا إعادة قراءة الفكر الإسلامي وغرس القيم الإسلامية السليمة ونبذ كل ثقافة تدعو الى المادية الكاملة، وهنا ينبغي التأكيد على ضرورة تدخل الدولة من خلال دعم العملية التعليمية والمؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني لتعزيز دورهم في تعزيز الهوية العربية وذلك من خلال إعداد منظومة ثقافية واحدة تشترك في صياغتها كافة هذه المؤسسات بهدف الحد من مخاطر ذوبان الهوية الثقافية او تقوقعها على ذاتها.


وأخيراً لقد آن الأوان لفض الاشتباك الحادث بين الهويات الأساسية في العالم ودعم وتشجيع طريق ثالث يضعف من تلك المركزية القطبية الغربية المهيمنة على باقي الهويات لصالح تعددية قطبية ثقافية تؤمن بحوار ممتد بين كافة ثقافات العالم على قاعدة من المساواة والعدالة الإنسانية لخلق حالة من التلاقح الثقافي بين الهويات المختلفة دون تهميش او إضعاف لهويات معينة لحساب هويات أكثر قوة وهيمنة. إلا إن ذلك لن يتأتى لهويتنا العربية إلا بمزيد من التمسك المرن بها والتماسك المجتمعي حولها. 


إعداد وكتابة: خالد فياض 

المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية

روابط ذات صلة