22 يوليو 2012
التنشئة الوطنية
في أي مجتمع تظهر الحاجة لتعزيز قيم الانتماء للوطن، وتظهر الحاجة أيضاً لغرس مفاهيم الانتماء للأرض والاعتزاز بالهوية الوطنية. مثل هذه الحاجة تدفع كافة الدول والمجتمعات إلى القيام بعملية طويلة المدى وذات جهود مستمرة للظهور بنتائج حقيقية ملموسة تحقق الهدف المطلوب وهو غرس قيم الانتماء وحب الوطن لدى الأفراد.

في أي مجتمع تظهر الحاجة لتعزيز قيم الانتماء للوطن، وتظهر الحاجة أيضاً لغرس مفاهيم الانتماء للأرض والاعتزاز بالهوية الوطنية. مثل هذه الحاجة تدفع كافة الدول والمجتمعات إلى القيام بعملية طويلة المدى وذات جهود مستمرة للظهور بنتائج حقيقية ملموسة تحقق الهدف المطلوب وهو غرس قيم الانتماء وحب الوطن لدى الأفراد.


هذه العملية  يطلق عليها التنشئة الوطنية، وهي عبارة عن مجموعة من الآليات التي يستحدثها المجتمع لغرس قيم وأفكار سياسية معينة لدى الأفراد. فكما هو حال بالنسبة للتنشئة الأسرية التي تعزز الانتماء للأسرة واكتساب قيمها وصفاتها وطبائعها وأخلاقها، فإن التنشئة الوطنية تستهدف تحقيق الأهداف نفسها، ولكن على نطاق أكبر وأوسع يتعلق بالوطن نفسه.


التنشئة الوطنية تستغرق وقتاً زمنياً طويلاً حتى تحقق أهدافها، ولا يتوقع عند السعي لتنفيذها في أي مجتمع أن تظهر نتائجها سريعاً، وسبب ذلك ارتباطها بتطور المجتمع نفسه، فالمتغيرات السريعة تؤدي إلى صعوبة مواكبة القيم والأفكار والاتجاهات السائدة في المجتمع لمثل هذه التطورات، كما هو الحال بالنسبة لأوقات الأزمات التي تؤثر على عملية التنشئة الوطنية، وتؤدي إلى الإخلال بها، وهو ما يتطلب مرونة مستمرة لضمان ردم أية فجوة من الممكن أن تظهر في أي وقت بين قناعات الأفراد وثقافتهم السياسية وبين التطورات الجارية في المجتمع نفسه.

والسؤال هنا: كيف تتم عملية التنشئة الوطنية؟

تبدأ عملية التنشئة الوطنية ابتداءً من مرحلة الطفولة، عندما تقوم الأسرة بتعليم أبنائها قيم ومعاني حب الوطن والانتماء للأرض التي يعيشون عليها. وفي هذه المرحلة تتكون لدى الطفل أفكار عامة يتعامل معها عاطفياً دون أن يدرك في معظم الأوقات دلالاتها ومعانيها. ولكن عندما يبدأ الطفل مرحلته التعليمية المبكرة وطوال فترة دراسته في المدرسة إلى ما قبل مرحلة الدراسة الجامعية، فإنه يتعرض لعملية واسعة من تراكم المعرفة الوطنية والخبرات التي تغرس في نفسه كافة القيم المرتبطة بالانتماء للوطن، خاصة وأنه يتعرّض لجرعات تعليمية متنوعة تهدف إلى تعريفه بأهمية الوطن، وكيفية الحفاظ على مكتسباته ومنجزاته الحضارية، وكيفية المساهمة في بنائه مستقبلاً. واللافت في هذه المرحلة أن الفرد يتجاوز مرحلة التعامل العاطفي مع قيم الانتماء للوطن، وينتقل لمرحلة أخرى وهي مرحلة التعامل العقلي، حيث يبدأ بالإدراك والتفكير، ويكوّن قناعاته الذاتية تجاه وطنه بشكل تدريجي.


أيضاً تتزامن عملية التنشئة الوطنية مع تعرّض الفرد لمجموعة من المؤثرات التي تساهم في تعزيز قيم الانتماء الوطني في نفسه؛ مثل: وسائل الإعلام المختلفة التي تلعب دوراً مهماً في تحديد القيم والمعتقدات لدى الفرد عبر ما يتعرّض له من مواد إعلامية بشكل مستمر. كذلك لمؤسسات المجتمع المدني دور بارز في عملية التنشئة الوطنية، حيث يفترض قيامها بغرس العديد من القيم والاتجاهات لدى الأفراد من خلال سلسلة الأنشطة التي تقوم بها.


عبر هذا العرض السريع، يتضح جيداً أن التنشئة الوطنية تشترك في مسؤوليتها عدة أطراف لأنها تبدأ من الأسرة، وتتواصل من خلال المؤسسات التعليمية المتعددة، ولا تتوقف أيضاً في مرحلة ما بعد انتهاء الدراسة الجامعية، لأن هناك آليات عدة لتحقيق أهداف التنشئة الوطنية.


وفي ضوء ذلك، فإن التنشئة الوطنية عملية مقصودة وتتم بطرق لا إرادية في كثير من الأوقات، وقد لا يتم الشعور بها مباشرة، ولكنها عملية تتم بشكل تراكمي على مدى زمني طويل قد لا يتم الانتباه إليه.

من الأهمية بمكان أيضاً الإشارة إلى أن التنشئة الوطنية هي التي تتحكم في سلوك الأفراد، وهي التي تحدد طبيعة تصوراتهم ورؤاهم تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، فعلى سبيل المثال، إذا هدفت التنشئة الوطنية في مجتمع ما إلى تعزيز قيم المشاركة السياسية والتفاعل بشكل إيجابي مع الاستحقاقات الانتخابية لأهميتها على مستوى المجتمع والدولة، فإن سلوك الأفراد خلال فترة الانتخابات سيكون إيجابياً، وسيلاحظ أنه سلوك يساعد على رفع نسبة المشاركة الانتخابية.

والسؤال الآخر: ما أهمية هذه العملية؟ ولماذا تتم على مستوى المجتمع والدولة؟

باختصار هناك علاقة وثيقة بين التنشئة الوطنية والاستقرار السياسي والأمني، وهي بلا شك علاقة طردية، فكلما كانت آليات وقنوات التنشئة الوطنية واضحة وفعّالة ومتطورة زاد الاستقرار السياسي والأمني، وسبب ذلك أن الأفراد عندما يؤمنون إيماناً عميقاً بأهمية الوطن وضرورة الحفاظ عليه وصيانة منجزاته، فإن مثل هذه القناعة ستحول دون المساس بأية مكتسبات وطنية، وستمنع الإضرار بالدولة وسمعتها ومنجزاتها، وستكون أكبر دافع لحماية المجتمع من أية تحديات. ولا يمكن تحقيق التنمية الشاملة في جميع المجالات إذا لم يكن لدى الأفراد انتماء لوطنهم وإيمان عميق بضرورة المساهمة فيه، وهو انتماء لا يتحقق إلا من خلال عملية معقدة تشترك فيها عدة أطراف كما هو الحال بالنسبة للتنشئة الوطنية.


ولذلك يلاحظ أن الدول التي ليست لديها أدوات وقنوات لتحقيق التنشئة الوطنية تواجه العديد من الأزمات السياسية والأمنية، وهو ما يتطلب المزيد من الاهتمام بهذه العملية وصولاً إلى تحقيق أهدافها، فكما تحاول الدولة تطوير قدراتها وإنجازاتها في مختلف المجالات، فإن التنشئة الوطنية هي الأداة التي يمكن من خلالها تطوير انتماء الأفراد لوطنهم وفقاً لمفهوم المواطنة الذي يكفل الحقوق للأفراد، وبالمقابل يلزمهم بواجبات معينة.




روابط ذات صلة