19 سبتمبر 2010
الرشوة الانتخابية 1
تتألف العملية الانتخابية من سلسلة مراحل، تبدأ بتحديد موعد الانتخابات وتنتهي بإعلان النتائج. ويجب أن تُبسط الحماية القضائية على كافة هذه المراحل، لأن حماية العملية الانتخابية عنصر مهم في الحفاظ على الديمقراطية وصون إرادة الشعب في اختيار ممثليه. ومن أجل توفير الحماية القضائية

تتألف العملية الانتخابية من سلسلة مراحل، تبدأ بتحديد موعد الانتخابات وتنتهي بإعلان النتائج. ويجب أن تُبسط الحماية القضائية على كافة هذه المراحل، لأن حماية العملية الانتخابية عنصر مهم في الحفاظ على الديمقراطية وصون إرادة الشعب في اختيار ممثليه. ومن أجل توفير الحماية القضائية والجنائية للعملية الانتخابية في كافة مراحلها التي تبدأ من تحديد موعد الانتخابات وإعداد الجدول إلى إعلان النتائج، لابد من تحديد الأفعال التي تؤثر على صحة وسلامة الانتخابات وسير العملية الانتخابية بدقة وتجريمها بنص قانوني واضح وصريح واعتبارها جرائم انتخابية.

وليس ثمة شك في أن العملية الانتخابية قد يشوبها العديد من المخالفات والجرائم. وأهم هذه الجرائم التي تؤثر على إرادة الناخبين جريمة الرشوة الانتخابية. لذلك جرمت جُّل التشريعات فعل الرشوة الانتخابية لما فيه من إخلال بمبدأ حرية التصويت، بل أن جريمة الرشوة الانتخابية تتجاوز تزوير إرادة الناخبين إلى تمزيق نسيج المجتمع الأخلاقي وقيمه، فمن يبيع صوته ويرضى بمقايضة ذمته هو عملياً يبيع وطنه.

وتتخذ هذه الجريمة أشكالاً وصوراً مختلفة ومتعددة، منها على سبيل المثال أن يقوم المرشح أو ممثله أو مندوبه بسداد نصف المبلغ للناخب والنصف الآخر بعد نجاح المرشح. وليس ضرورياً أن تكون الرشوة نقدية، بل قد تكون عينية كالحصول على وظيفة أو ترقية أو تسهيل الحصول على خدمات معينة كالحصول على وحدة سكنية. ولا يمكن حصر أشكال وصور جريمة الرشوة الانتخابية لتعددها وتنوع الأساليب التي قد يلجأ إليها مرتكبوها. لذا يجب على المشرع أن يحدد مفهومها لتبيان الأفعال التي تدخل في نطاق هذه الجريمة، وإخراج الأفعال التي يقوم بها المرشح وتعد من قبيل الدعاية الانتخابية المشروعة.

مفهوم جريمة الرشوة الانتخابية:

لا يختلف مفهوم الرشوة العادية الواقعة على الوظيفة العامة عن مفهوم الرشوة الانتخابية، بدليل التشابه اللغوي والواقعي بين هاتين الجريمتين. فجريمة الرشوة تقتضي وجود شخصين، الشخص الأول يقبل ما يُعرض عليه من فائدة أو وُعد بها أو يطلب شيئاً من ذلك مقابل قيامه بعمل أو امتناعه عن عمل، فذلك هو الموظف المتورط في جريمة الرشوة في مجال الوظيفة العامة، والناخب في جريمة الرشوة الانتخابية. الشخص الثاني يتقدم بالعطية أو الوعد بها للشخص الأول ليؤدى له العمل أو الامتناع عنه، فذلك هو المواطن صاحب الحاجة أو المصلحة في الجريمة الأولى والمرشح أو غيره في الجريمة الثانية.

ولذلك اعتبرت التشريعات الرشوة بنوعيها مشتملة على جريمتين منفصلتين إحداهما جريمة المرتشي، وتسمى الرشوة السلبية، ويقترفها الموظف العام في جريمة الرشوة الوظيفية، والناخب في جريمة الرشوة الانتخابية. أما ثانيهما فهي جريمة الراشي وتسمى الرشوة الإيجابية ويقترفها صاحب المصلحة في الجريمة الأولى والمرشح أو أحد أنصاره غالباً في الجريمة الثانية.

ونظرا لخطورة هذه الجريمة على سير ونزاهة العملية الانتخابية، نجد أن هناك شبه إجماع تشريعي على تجريم الرشوة الانتخابية رغم صعوبة إثباتها. ومن أقدم التشريعات التي جرمت الرشوة الانتخابية التشريع الذي صدر في إنجلترا عام 1845. ولعل السبق الإنجليزي بهذا الشأن مرده تفشي الرشوة الانتخابية أو الفساد الانتخابي، والذي يتمثل في ظاهرة شراء القوائم والأصوات، حيث بدأت تلك الظاهرة منذ الانتخابات التي أجريت في القرن الرابع عشر وتواصلت حتى صدور تشريع الانتخابات سالف الذكر.

أركان وشروط جريمة الرشوة الانتخابية

الشرط المفترض في جريمة الرشوة الانتخابية

الشرط المفترض في الجريمة هو أمر سابق على توافر الأركان، وبالتالي فهو ليس جزء من أركان الجريمة ومع ذلك فهو أمر ضروري لا تقع الجريمة إلا بوجوده، وهو في هذا يتفق مع الركن في أنه يترتب على انعدامه انعدام الجريمة حتماً، ويتمثل هذا الشرط في جريمة الرشوة في صفة مقترفها والتي تأخذ واحدة من الصفات الآتية:

أ - صفة الراشي

على خلاف الصورة الأصلية لجريمة الرشوة في التشريعات العقابية، والتي تتطلب صفة خاصة في مرتكبها وهي صفة الموظف العام، والتي هي بمثابة الشرط المفترض في جريمة الرشوة الوظيفية، نجد أن الأمر مختلفاً. ففي جريمة الرشوة الانتخابية، حيث لا تتطلب صفة خاصة في الراشي فيستوي أن يكون الراشي أحد المرشحين في الانتخاب المعني أو أن يكون غيره من المندوبين أو الوسطاء ممن لا تتوافر بشأنه هذه الصفة.

ب - صفة المرتشي

إذا كان الأمر كذلك كما سلف بالنسبة للراشي في جريمة الرشوة الانتخابية، إلا أنه يختلف بالنسبة للمرتشي وهو ذلك الذي أخذ أو طلب أو قبل الفائدة أو العطية أو الوعد بهما، حيث يتعين أن تتوافر بشأنه صفة الناخب، أي أنه يجب أن يكون أحد أعضاء هيئة الناخبين وفقا لقانون مباشرة الحقوق السياسية، وذلك وقت ارتكابه للسلوك الإجرامي المُجرَّم دون توقف على استمرار تمتعه بهذه الصفة بعد تمام السلوك. ومن ثم فإن صفة الناخب تعد شرطاً مفترضاً في جريمة المرتشي في الرشوة الانتخابية. فلا قيام لهذه الجريمة ولا اكتمال لنموذجها القانوني بغير تحقق هذه الصفة.

ج - صفة الوسيط

لا يشترط بالنسبة للوسيط في الرشوة الانتخابية تحقق أي صفة فيه. فقد يكون أحد أعضاء هيئة الناخبين أو غيره لا فرق بينهما، ومثله في ذلك مثل الوسيط في جريمة الرشوة الوظيفية، وهو ذلك الذي يتوسط لصاحب المصلحة لدى الموظف العام للقيام بعمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه. وفي مجال الرشوة الانتخابية فهو وعلى نحو ما سبق ذلك الشخص الذي يمثل حلقة الوصل بين المرشح والناخب.
في عمود الأسبوع القادم سوف نتناول أركان جريمة الرشوة الانتخابية.

روابط ذات صلة