11 يوليو 2010
ثقافة التسامح
تهتم مختلف التيارات الفكرية المعاصرة بثقافة التسامح، حيث ترقى هذه الثقافة إلى مرتبة "المشروع الحضاري" في بعض الكتابات، باعتبارها ركيزة للإصلاح السياسي في أي مجتمع، الأمر الذي يؤكد أهميتها، خصوصاً وأن مملكة البحرين يمكنها تقديم

تهتم مختلف التيارات الفكرية المعاصرة بثقافة التسامح، حيث ترقى هذه الثقافة إلى مرتبة "المشروع الحضاري" في بعض الكتابات، باعتبارها ركيزة للإصلاح السياسي في أي مجتمع، الأمر الذي يؤكد أهميتها، خصوصاً وأن مملكة البحرين يمكنها تقديم نموذج للتميز والتفرد باعتبارها نموذجاً لتلك الثقافة التسامحية.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم- اليونسكو – أهمية التسامح كفضيلة وقيمة عليا تيسر ثقافة السلام ونبذ العنف و الحروب في العالم، وتؤكد أن التسامح ليس مجرد واجب أخلاقي فحسب، أنما هو أيضاً واجب سياسي وقانوني، يرتبط ارتباطا وثيقاً بحقوق الإنسان والمبادئ العالمية الصادرة بهذا الشأن، على أساس أن التسامح يتضمن في جوهره الإقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً. وهكذا يصبح التسامح عماد حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية، بما في ذلك التعددية في أشكالها ومستوياتها السياسية والثقافية والاجتماعية، وبناء عليه دعت إلى اعتبار اليوم السادس عشر من نوفمبر من كل عام يوماً عالمياً للتسامح، منذ العام 1995 والذي اعتبر عاماً دولياً للتسامح.

وبهذا نجد أن التسامح يعزز مفردات أساسية يمكنها أن تحل محل العنف والصراعات ومظاهر الاستقطاب الحادة في المجتمعات البشرية، من أهم تلك المفردات الحوار، العقلانية، التعايش وقبول الآخر ، العمل معاً، المواطنة، المشاركة أو الشراكة بين أبناء الوطن وجماعاته، ومثل هذه المفردات يجب أن تعززها مؤسسات التنشئة في المجتمعات المعاصرة، ابتداء من الأسرة والنوادي إلى المدارس والجامعات ودور العبادة وأجهزة الإعلام وغيرها.

وليس هناك أدنى شك في أن هذه المؤسسات تستطيع – على المدى القصير والمتوسط كما على المدى الطويل – أن تعزز ثقافة ومناخ إنساني، وأنماط من الحوار وقبول الآخر، والتربية على ثقافة مدنية قوامها السلام والبناء والإبداع، وليس العنف أو التناحر أو التعصب، فالتعددية والتنوع والاختلاف يمكن أن تضيف إلى جهود النهضة والتنمية، وتشكل ثراء وحركة للأمام، وليس مبرراً للعنف والتعصب ورفعة الآخر.

على النقيض من ذلك الدور التنموي لمؤسسات التنشئة قد تلجأ جهات أو جماعات داخلية أو خارجية، إلى توظيف هذا التعدد من أجل غرس وتنمية مشاعر الاغتراب والتعصب داخل المجتمع الواحد، بأقسامه وفئاته المتنوعة، فتنتشر مظاهر للعنف والفكر المتطرف خصوصاً بين الشباب، في المدرسة أو في الشارع، الأمر الذي يؤكد ضرورة تعزيز دور التنشئة والتربية على ثقافة التسامح والسلام والمواطنة، واحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان والعمل على ترجمتها إلى واقع في حياتنا اليومية.

وللتسامح مستويان: أولهما أخلاقي ويتمثل في قبول الآخر في إطار من المودة والتعاطف، وأيضا الصفح وتجاوز السلبيات، وأولوية الطابع الإنساني، وثانيهما عقلي أو منطقي يقضي بفهم الآخر ودوافعه وحججه ووجهات نظره، والاعتراف بالتنوع والاختلاف الذي من شأنه إثراء الوطن وتجربته الإنسانية، وإبراز وجهه الحضاري والإنساني.

يؤكد بعض الباحثين على أهمية التسامح، وما يفرضه من منظومة قيم للحوار وقبول الآخر، ومن مكافحة للتعصب والعنف، ومن مبادئ سيادة القانون والمساواة بين المواطنين وفق مبدأ المواطنة، وأيضاً من مناخ ثقافي واجتماعي وثقافة للسلام والإخاء والتعايش، كشرط لنجاح التنمية السياسية والبشرية بوجه عام. حيث تؤكد مبادئ التسامح على أولوية قيم ومفاهيم أساسية من بينها:

  1. الاحترام والقبول والتقدير للتنوع والتعددية الثقافية والاجتماعية، ولأشكال التعبير، والصفات الإنسانية، في القرن الحادي والعشرين.
  2. إقرار حق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً.
  3. التسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، أو تقبل الظلم، أو تخلي المرء عن قيمه ومعتقداته أو التهاون بشأنها، أنه لا يعني إمكانية فرض الآراء والقيم والمعتقدات عنوة على الآخرين.
  4. التسامح على مستوى الفرد والجماعات يفرض تبني المواقف القائمة على الانفتاح والتضامن والتكافل، ومنع كل مظاهر "اللا تسامح" أو الانغلاق والتعصب في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدارية

لقد أشارت مقدمة ميثاق العمل الوطني إلى أن البحرين ظلت، ومنذ ما قبل انبثاق الرسالة الإسلامية، تحتضن بحرية تعدد الأفكار والمعتقدات على أرضها في نموذج نادر المثال في تلك العصور، وفى ظل هذا التسامح الروحي والفكري ازدهرت الثقافة وتعايشت الأديان. كما أكد ميثاق العمل الوطني على قيم التسامح وقبول الآخر، في إطار مناخ عام ومجموعة أساسية من القيم والأسس التي تكفل تماسك المجتمع، وتعزز التضامن الاجتماعي، وتوفر كل الوسائل والآليات الكفيلة بتعميق أواصر العلاقات والشراكة بين مختلف الأفراد والجماعات بعيداً عن عوامل الانغلاق أو التعصب والإقصاء ، وهو ما نص عليه كلا من الفصلين الأول و الثاني من الميثاق.

كذلك منح دستور مملكة البحرين في مقدمته أولوية خاصة لضرورة تكاتف جهود مختلف الأفراد والجهات، وفق القيم الرفيعة والمبادئ الإنسانية العظيمة التي تضمنها الميثاق، لتحقيق الآمال والطموحات الوطنية. كما أكدت ديباجة الدستور على أهمية القيم الإسلامية وعدم إهمال التراث الإنساني دون أن يعني ذلك جموداً أو تعصباً، على أساس أن النظم الاجتماعية والإنسانية ليست مجرد آلات جامدة تنتقل من مكان إلى آخر، وإنما هي خطاب إلى عقل الإنسان وروحه ووجدانه.

كما تؤكد مواد الدستور - على سبيل المثال المادة 18 - مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية، وبذلك يتوفر الأساس الدستورى لمناخ التسامح المنشود، حيث يتساوى جميع المواطنين لدى القانون، دون إقصاء أو تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة .

روابط ذات صلة