9 يناير 2011
الثقافة السياسية الديمقراطية
يحظى موضوع الثقافة السياسية الديمقراطية باهتمام خاص لما يمثله من مغزى.

يحظى موضوع الثقافة السياسية الديمقراطية باهتمام خاص لما يمثله من مغزى. ويرجع هذا الاهتمام والمغزى إلى عاملين: 


أولهما: المعاني التي يحملها المصطلح، أي مصطلح الثقافة السياسية،


وثانيهما إمكانية إسباغ الطابع الديمقراطي عليه. وهذا يثير تساؤلين رئيسيين :

فماذا تعنى الثقافة السياسية ؟  


وكيف يمكن إكسابها طابعاً ديمقراطياً؟

أولاً:  ما هي الثقافة السياسية:

  

الثقافة هي طريقة الحياة، وتشكل نسقاً من قيم ومعايير وتوجهات، وأيضاً رموز ومعارف ومعلومات تتعلق بالحياة عامة.  وإذا ما وصفت الثقافة بأنها سياسية،  فإن القيم والمعلومات والاتجاهات، وطريقة الحياة ذاتها، تكون هي تلك المرتبطة بالسياسة ونظام الحكم.

بمعنى آخر فإن الثقافة السياسية هي الطريقة التي يرى بها الناس السياسة ونظام الحكم ، ويقيمون أداء مؤسسات الدولة  وهيئاتها، وكيف تتشكل صورة الدولة والحكومة ، وما تؤديه من وظائف ، لدى المواطنين.

درج علماء السياسة في الماضي على دراسة هذا النسق ــ من القيم والمعايير والاتجاهات ــ تحت مسميات مختلفة أهمها:  الطابع الوطني والشخصية الوطنية. ومع تطور الدراسات السياسية، والتحديث الواسع الذي أحدثته العلوم السلوكية في علم السياسة ، أصبح يطلق على هذا النسق من القيم والمعايير والمعارف والتوجهات مصطلح الثقافة السياسية.

  

والثقافة السياسية هي، وفق تعبير أحد علماء السياسة، بمثابة الهواء الذي نتنفسه، إنها جزء مما نكون على وعي، أو على غير وعي به. إنها تحمل معاني الهوية، ورائحة الوطن، وتفرد المجتمع. ونلاحظها فقط عندما ننتقل إلى هوية أخرى أو وطن أو مجتمع مختلف.

والثقافة السياسية تنتقل عبر الجماعات والطبقات والأجيال، لكنها لا تكتسب تلقائياً، وإنما يتم تعلمها. وهي تتغير عبر الأجيال، لكن تغيرها بطئ نسبياً، وله ديناميته ومبرراته. ويتم تغيير الثقافة السياسة عبر عمليات التوعية والتنشئة والتربية والتعليم، وما تفرضه هذه العمليات من مؤسسات وجماعات ومراكز كالأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والاتصالات الجماهيرية والرقمية وغيرها.

  

تكتسب الثقافة السياسية مغزاها كاملاً من ارتباطها الوثيق بالسياسة والحكم، فهي التي تشكل نظرة المواطن تجاه النظام السياسي والسلطة والرموز السياسية.  وتحدد معنى الطاعة والالتزام والواجبات، وأيضاً التوقعات المرتبطة بالحقوق والحريات، وآليات السياسات الحديثة كالانتخابات والاستفتاءات وبناء وتطوير المؤسسات السياسية وفاعلية الجمعيات والأحزاب واستقلال القضاء ومنظمات المجتمع المدني، كذلك مستويات التحديث السياسي ومظاهرها العديدة:  كمستويات المشاركة السياسية، والتمكين السياسي للشباب والمرأة، وفاعلية الأداء الحكومي، والتزام الشفافية والمحاسبة والرقابة وغيرها من معايير الحكم الرشيد.

  

ثانياً:كيف يتحقق لها الطابع الديمقراطي:

  

الثقافة السياسية السائدة قد تكون ثقافة مشاركة، وديمقراطية، وقد تكون ثقافة جامدة أو منغلقة على ذاتها بمعنى أنها تعزز الانسحاب واللامبالاة والبعد عن كل ما هو سياسي.

  

وكل مجتمع معاصر يشهد النمطين من الثقافة السياسية:  النمط الديمقراطي المشارك والنمط الانسحابي المنغلق.  ولا يمكن تحقيق الإصلاح والتحول دون توسيع دائرة الثقافة السياسية الديمقراطية، وحفز الأفراد والجماعات على المشاركة، وتجنب السلبية والانعزال والانسحاب أو اللامبالاة السياسية.

  

من هنا أهمية نشر الوعي السياسي وتعميق أسس المشاركة السياسية وتوسيع دوائر الاهتمام السياسي لدى جماهير المواطنين.  وفي كلمات محددة:  إسباغ الطابع الديمقراطي على الثقافة السياسية السائدة.

  

يتناول عدد من الباحثين والعلماء أهم الأسس والشروط التي تحقق الطابع الديمقراطي للثقافة السياسية، تتضمن هذه الأسس والشروط:

  

1. الثقة السياسية.

2. التعددية وقبول الآخر.

3. العقلانية.

4. الاستقرار واللاعنف.

  

ويتفق العلماء حول ضرورة غرس هذه القيم والمبادئ والأسس خلال تنشئة الأجيال الجديدة، كأساس لصياغة الثقافة السياسية الديمقراطية، أو ما يصفه بعض الكتاب – أمثال جابريل الموند – بالثقافة المدنية.

  

1- الثقة السياسية:

بمعنى ثقة الأفراد في الحكم والدولة، ورموزها،  والجماعات والمؤسسات، بما في ذلك أجهزة السلطة ومنظمات المجتمع المدني.  فالثقة أساس للحركة والبناء، في إطار تتحقق فيه المشاركة مع الآخرين، في مناخ من الطمأنينة والتحرر من القلق.

  

ومن شأن إنجازات الحكومة تعميق الثقة، وبناء جسور للمشاركة، وتجاوز الكثير من التحديات والعقبات. 


ويمثل المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، والإنجازات المتواصلة التي تحققت في ظل القيادة الرشيدة للمملكة، آليات جديرة بجذب الثقة وتأكيد التكاتف والترابط بين جماهير المواطنين والقيادة الحكيمة للمملكة.

  

2- التعددية وقبول الآخر:

المجتمع المعاصر بطبيعته يعكس تنوعاً متزايداً للجماعات والأفراد، مهنياً وتعليمياً وسياسيا: وأيضاً عرقياً وفكرياً ومذهبياً. وهذا التنوع من شأنه إثراء الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، طالما صاحبته قيم التسامح وقبول الآخر، ونبذ التعصب والعنف والصور النمطية الجامدة.

  

وتشكل مملكة البحرين، وتجربتها الرائدة، نموذجاً للتسامح والتعدد والإنفتاح، وبفضل الجهود المتواصلة لقيادتها الرشيدة، ومن خلال ما يؤكده ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين، والنظم والقوانين المعمول بها فى المملكة ، من سيادة القانون والمساواة بين جميع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الجنسية أو الفكرية.

  

وتفترض الثقافة السياسية الديمقراطية تأكيد قيم المساواة ليصبح لها الأولوية، على حساب التدرج وتسلسل المراتب في المجتمع، سواء كان هذا التدرج يستند إلى عوامل الثراء أو المناصب أو الأصول العرقية أو الدينية أو الحسب أو غيرها من عوامل للتمييز والمحاباة.

  

3 - العقلانية:

لا تقوم ديمقراطية حقيقية دون عقلانية.  إنها تفترض ليس فقط الحرية والعدالة والمساواة – وهي قيم ومبادئ تضمنها ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين – وإنما إعلاء صوت العقل والحكمة، وتقديم نماذج سلوكية رشيدة تقوم بتأكيدها التنشئة السياسية.  فيصبح الأفراد والجماعات والقيادة أكثر عقلانية وتتميز تصرفاتهم بالتخطيط وشمول النظر والتعاون من أجل الانجاز والمرونة والموضوعية.

  

وهكذا فالعقلانية تجعل من السلوك الرشيد سمة للأفراد والجماعات. فالمجتمع الديمقراطي يقوم على العقلانية وحساب البدائل والاختيار فيما بينها،  كما يقوم على الابتكار والإبداع، وتجاوز القيم الجامدة والمعوقة للحركة، لصالح الأسلوب العلمي والعقلاني.

  

وتؤكد الرؤية الاقتصادية 2030 أهمية وأولوية العقلانية والتخطيط والابتكار، والتنافسية والاستدامة، فهي تجعل من أهدافها المركزية إحداث إصلاحات متكاملة.  وعلى مستوى الاقتصاد:  نمو اقتصادي قوى يحقق المنفعة لشعب البحرين، وعلى مستوى الحكم:  حكومة فعالة ذات كفاءة، وعلى مستوى المجتمع:  مجتمع عادل ومزدهر ومتكاتف.

  

4 - الاستقرار ونبذ العنف:

فالظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المستقرة، توفر المناخ الملائم للديمقراطية والتحديث السياسي والاقتصادي، وللسلام والتسامح والتعددية التي تفترضها الديمقراطية.

  

والحقيقة أن ثقافة السلام والتسامح والعقلانية، والتعدد والثقة تعد في نهاية المطاف ثقافة سياسية جديدة من شأنها أولاً: تأكيد وتعميق الممارسة الديمقراطية، وثانياً: التمهيد لقيام ثقافة عالمية جديدة تنتشر عبر الحدود السياسية وعبر القارات والحضارات، تؤكد على سمو قيم العدالة والحرية والمساواة، وأولوية العقل والتعدد والسلام.




روابط ذات صلة