16 يناير 2011
أنماط الثقافة السياسية
تعرف الثقافة بأنها منظومة القيم والمعايير والاتجاهات والمعارف، وتعد هذه المنظومة بمثابة الموجه، أو القوة الحاكمة والمحددة للسلوك البشري. وتتفق الدراسات الحديثة حول أنماط لهذه الثقافة: ولسهولة وتيسير فهم هذه الأنماط يمكن تصنفيها في فئات، وتأتي في مقدمة هذه التصنيفات:

تعرف الثقافة بأنها منظومة القيم والمعايير والاتجاهات والمعارف، وتعد هذه المنظومة بمثابة الموجه، أو القوة الحاكمة والمحددة للسلوك البشري. وتتفق الدراسات الحديثة حول أنماط لهذه الثقافة: ولسهولة وتيسير فهم هذه الأنماط يمكن تصنفيها في فئات، وتأتي في مقدمة هذه التصنيفات:

1. الثقافة العامة والثقافة السياسية.

2. تصنيف على أساس درجة التقليدية والحداثة.

3. تصنيف على أساس درجة المشاركة والاهتمام السياسي.

4. تصنيف الانتظام في عضوية فئات أو طبقات وشرائح اجتماعية أو مهنية أو فكرية.

وفيما يلي توضيح لهذه التصنيفات، وبيان لأهم أنماط الثقافة السياسية من خلال ذلك.

أولاً: الثقافة العامة والثقافة السياسية:

المعروف أن الثقافة نسق قيمي ومعياري لدى أفراد جماعة أو مجتمع من المجتمعات. وهو نسق يرشد ويوجه سلوك الأفراد وفق أولويات تفرضها القيم والتوجهات والمعارف والخبرات التي تتضمنها تلك الثقافة.  في هذا الإطار يمكن تمييز الثقافة السياسية باعتبارها الموجهة للسلوك السياسي للأفراد، والمحددة لأولويات واهتمامات هؤلاء الأفراد في مجال السياسة ونظام الحكم.

فالأفراد يتوقعون نظاماً للحكم يتبنى الإصلاح وسيادة القانون مثلاُ، أو يتبنى أساليب وآليات للانتخاب، ونماذج للمؤسسات كالبرلمان والجمعيات والأحزاب السياسية وهكذا .....

أما الثقافة العامة فإنها تتعلق بقيم ومعايير تحكم سلوك الأفراد في حياتهم بشكل عام، وتوقعاتهم بشأن تكوين وأهمية الأسرة، أو احترام مكانة الأب أو الأم أو رجل الدين أو المعلم، أو احترام قيمة الاجتهاد والعمل بإخلاص وغيرها من قيم واتجاهات تتعلق بالسلوك البشري في إطاره الكلي العام.

وفق ذلك يمكن اعتبار الثقافة السياسية بمثابة ثقافة فرعية في إطار الثقافة العامة للمجتمع، على أساس أن تلك الثقافة السياسية ترتبط في المكانة الأولى بالسلوك السياسي وبالحياة السياسية والشأن العام في المجتمع.

ثانياً:  الثقافة السياسية التقليدية والحديثة:

الثقافة السياسية في كافة المجتمعات المعاصرة هي مزيج من التقليدية والحداثة، لكن بعض المجتمعات تميل الثقافة السياسية فيها إلى غلبة القيم والنماذج التقليدية، وبعضها الآخر تغلب عليها المكونات الحديثة.

والقيم التقليدية مصدرها التراث وخبرات التاريخ والماضي، وترتبط عادة بالموروث الثقافي والديني والسلوكي والحضاري، ولا يمكن تجاهلها أو التقليل من أهميتها.  لكنها قد تأخذ "طابعاً تحديثيا" مختلفاً، لتعبر عن الماضي بلغة العصر ورموزه.

كذلك الثقافة الحديثة – وهي وافدة في الأساس من المجتمعات الصناعية الحديثة – عندما تنتقل إلى بيئة تقليدية (أو شرقية على سبيل المثال)، فإنها أيضاً تأخذ طابعاً مختلفاً يميزها في بيئتها الجديدة (الشرق) عن بيئتها الأصلية التي نشأت فيها (أوروبا والغرب بصورة عامة).

فكرة الشورى على سبيل المثال يمكن تطويرها في المجتمع الحديث، بالرغم من نشأتها الحضارية السابقة. وفكرة الانتخابات والبرلمانات والأحزاب تأخذ صيغاً وأشكالاً في المجتمعات غير الغربية تميزها عن الخصوصيات التي نشأت وفقاً لها في بيئتها الغربية.

  

ثالثاً:  تصنيف على أساس درجة المشاركة والاهتمام السياسي:

وفق هذا التصنيف يصبح للثقافة السياسية ثلاث أنماط فرعية هي:

1. ثقافة سياسية مشاركة حيث يتجه الأفراد – وفق أولوياتهم والمعايير والقيم التي يؤمنون بها – للاهتمام والمشاركة بكل القرارات والسياسات والشئون العامة المرتبطة بالنظام السياسي ككل، وبما يتخذه من قرارات، وما يتجه إلى هذا النظام من مطالب وتأييد.

2. ثقافة سياسية مغلقة أو غير مشاركة حيث الانسحاب السياسي بمعنى عدم الاهتمام السياسي، فضلاً عن عدم المشاركة السياسية، في النظام السياسي ككل، وما يصدره من سياسات وقرارات، ومن عمليات للمطالب والمساومة والتوفيق تسبق اتخاذ القرارات.

3. ثقافة سياسية شبه مشاركة أي تحمل درجة أقل من الاهتمام السياسي، حيث اهتمام الفرد فقط بالقرارات التي تصدر عن النظام السياسي، وبالذات ما يمس منها حياته وشئونه كفرد، دون اهتمام بالشأن العام أو بإمكانية المشاركة في اتخاذ تلك القرارات أو محاولة التأثير فيها.

وهذه الأنماط الثلاث توجد في كل المجتمعات المعاصرة، ويغلب النمط الأول منها على الثقافة السياسية الديمقراطية، بينما تزداد نسبة النمطين الثاني والثالث في الثقافة السياسية الأقل ديمقراطية أو غير ديمقراطية.

رابعاً: عضوية الفئات والشرائح الاجتماعية والمهنية والفكرية:

يختلف نسق القيم والاتجاهات والمعارف باختلاف المهن والتخصصات والفئات الاجتماعية، وبناء على هذا الاختلاف يميز علماء التنمية السياسية بين العديد من أنماط الثقافة السياسية الفرعية، من أهم هذه الأنماط نمطين هما:

1. الثقافة السياسية للنخبة والجماهير:

فالنخبة السياسية التي تضم صانعي القرارات – كأعضاء البرلمانات والسلطات المختلفة ومجالس البلديات والجمعيات والأحزاب ... – تتميز عادة بنمط من الثقافة السياسية أكثر انفتاحاً ومشاركة، وعقلانية، بل وأكثر تمسكاً بآرائهم واتجاهاتهم مقارنة بجماهير المواطنين العاديين ممن يكونون عادة أقل اهتماما، وتكون مشاركتهم موسمية أو أقل في استمراريتها، كما تكون وجهات نظرهم أقل في مستوى العقلانية والتدقيق، وقد لا تستند إلى حسابات المنفعة والتكلفة.

ولا شك أن مهمة التوعية السياسية هي الأخذ بهذه الجماهير، لتقريب الفجوة بينها وبين النخب في الثقافة السياسية التي تميزها، بما يجعلها ثقافة أكثر مشاركة وعقلانية، وأكثر استمرارية وانفتاحاً.

  

2. الثقافة السياسية لأصحاب المهن والتخصصات:

ربما هذه الفئة من التصنيفات هي الأكثر دلالة على تنوع الثقافات السياسية الفرعية،  فأصحاب تخصصات مثل الصحفيين والمحامين قد يكونون الأكثر ملائمة وتأهيلاً لتفهم الحياة العامة ودوافع المشاركة وأهميتها، كذلك فإن فئات مثل الأطباء والمهندسين والفنيين قد يسجلون درجات أعلى من الاهتمام السياسي والمشاركة، وعموماً فإن الفئات العليا من المثقفين والمهنيين من مختلف التخصصات الحديثة لديهم مثل هذا الاهتمام.  كما أن تخصصات أخرى كالباحثين في الأدب والإنسانيات واللغة والأديان لهم دوافعهم للاهتمام والمشاركة.

هكذا تتنوع أنماط الثقافة السياسية في كل مجتمع، وإن كان يجمعها في كل حالة قواسم عامة وسمات مشتركة تجعل منها ثقافة سياسية وطنية لها هويتها وتميزها، على مستوى الدولة.


كذلك يمكن التمييز بين ثقافات سياسية قومية أو إقليمية أو عالمية، فثمة ثقافة عالمية، تتسع لتشمل العالم بأجمعه ، وأهم ملامحها الاهتمام بحقوق الانسان وقيم السلام والتسامح وقبول الآخر، ومعايير كالحياد والموضوعية. وهناك ثقافة سياسية عربية يبرز فيها المكون الإسلامي، أو ثقافة سياسية خليجية، فضلاً عن تلك الثقافة السياسية الوطنية التي تتسم بها بلد بعينها.




روابط ذات صلة