23 يناير 2011
الثقافة السياسية ومتطلبات الإصلاح
أصبح الإصلاح السياسي ضرورة لدى كل النظم السياسية المعاصرة، وتحظى مملكة البحرين بأهمية خاصة بالنظر إلى المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، وما تبنته، مبكراً، من خطوات وآليات على هذا الطريق.

أصبح الإصلاح السياسي ضرورة لدى كل النظم السياسية المعاصرة، وتحظى مملكة البحرين بأهمية خاصة بالنظر إلى المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، وما تبنته، مبكراً، من خطوات وآليات على هذا الطريق.

ويتركز الإصلاح السياسي عادة على مكونات النظام السياسي، وهي مكونات دستورية قانونية، مؤسسية أو بنيوية، وقيمية أو ثقافية.  فالثقافة السياسية جزء جوهري من النظام السياسي، إنها الشق المعنوي لهذا النظام بما يضمه من جوانب نفسية تتعلق بالقيم والمعتقدات وتصورات وتوقعات الأفراد والجماعات وما تمثله من توجهات ومعارف.
 
تحظى علاقة الثقافة السياسية بالإصلاح السياسي ومتطلباته باهتمام علماء التنمية السياسية، وتجري دراسة هذه العلاقة تحت عناوين وتصنيفات عديدة منها:
 
-الثقافة السياسية بين الثابت والمتغير.

-الثقافة السياسية وتغيرها كهدف للإصلاح.

-التثقيف السياسي.

-الثقافة والمشاركة السياسية.

-الثقافة السياسية كنتاج لعمليات الإصلاح والتحول.
 
واستعراض هذه التصنيفات والموضوعات يلقي الضوء بوضوح على الأهمية الأساسية للثقافة السياسية في عملية الإصلاح، ويفسر ما تحظى به من أولوية لدى الباحثين والكتاب في علم التنمية السياسية.
 
الثقافة السياسية بين الثابت والمتغير:
 
تتغير الثقافة السياسية عبر الزمن، وعبر الأجيال، لكن تغيرها عادة ما يكون بطيئاً وتدريجياً.  مع ملاحظة أن بعض مكونات هذه الثقافة قد لا يخضع لهذه المقولة العامة.
 
فالجوانب المرتبطة بالعقائد والموروث الدينى قد لا تتغير، بالرغم من أنه قد يعاد تفسيرها أو صياغتها. لكن هذه الجوانب تحظى عادة بقدر من الثبات والاستمرارية.  ولعل أفكار كالشورى والبيعة على سبيل المثال لا يتوقع تغييرها أو اختفائها في المجتمعات العربية والإسلامية.
 
من جهة أخرى فإن الجوانب المرتبطة بأحداث وتحولات مفاجئة في الثقافة السياسية، قد تكون أكثر عرضة للتغير السريع.  فالمجتمع الذي يتعرض لغزو خارجي مثلاً، أو تفرض عليه نماذج وافدة لا تحظى بالتأييد العام بين أفراده، قد يرفض النماذج الوافدة بما تتضمنه من قيم واتجاهات.
 
الثقافة السياسية كهدف للإصلاح:
 
تتسم بعض جوانب الثقافة السياسية السائدة في مجتمع ما بالجمود والسلبية.  فثمة قيم واتجاهات تدفع بعض الجماعات والأفراد إلى الانغلاق على الذات، أو التوجس  أو كراهية كل الغرباء عن هذه الجماعات، وعدم التعاون أو التعايش مع الآخر.  مثل هذه القيم تصبح معوقة لعمليات التحول والنهضة، ولا تتحقق أهداف وخطط التنمية إلا من خلال التخلص منها.  هنا تصبح الثقافة السائدة هدفاً لعمليات الإصلاح، وتتخذ في سبيل ذلك أدوات وآليات عديدة من خلال توعية وتبصير الأفراد والجماعات بمخاطرها وضرورة تغييرها.

التثقيف السياسي:
 
تعرف عملية تغيير الثقافة والتحول عن نماذجها السلبية – وما قد يميزها من جمود أو عدوانية أو ميل للعنف...  – بالتثقيف السياسي.  ويصبح على المجتمع انتقاء القيم والنماذج الجديدة التي تقدم كقدوة للأجيال الجديدة، ولمختلف فئات وأفراد المجتمع.  فالتعاون والتعايش وقبول الآخر، تحل محل السلبية والانغلاق على الذات والعدوانية وكراهية كل ما هو خارج النسق، كما تحل قيم التسامح والسلام والحوار محل العنف والإقصاء وفرض الرأي الواحد بالقوة.
 
وتعتبر الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام وغيرها من الأدوات والآليات الأساسية التي من خلالها يمكن إحداث التغيير والتطوير للثقافة السائدة.
 
الثقافة والمشاركة السياسية:
 
تربط دراسات عديدة المشاركة السياسية بنمط الثقافة السياسية الديمقراطية، ومثل هذا النمط ينتشر لدى قطاعات محددة في المجتمعات المعاصرة.  وهي القطاعات التي تتميز بنسق قيمي وثقافي يدعو للاهتمام بالشأن العام وبالقرارات السياسية التي يتخذها النظام السياسي.  وتحدد الدراسات الميدانية المتاحة حول المشاركة السياسية حجم هذه القطاعات بأقل من نصف عدد أفراد المجتمع المؤهلين للمشاركة، نتيجة عوامل الدخل والمكانة الاجتماعية والعمل المهني، والتي تجعل هؤلاء دون غيرهم أكثر قدرة على المشاركة.  فالذين يتمتعون بدخل أعلى، وبمكانة متميزة نسبياً اجتماعيا ومهنياً، هم الأكثر إقبالاً على المشاركة، ونشاطاً على صعيد الممارسة السياسية. تنطبق هذه الأرقام على المجتمعات المعاصرة، بما فيها الدول الغربية.  وتقدم دولة كالهند استثناء من هذه التحليلات، حيث تدني نسبة أصحاب SES بين السكان، ومع ذلك فإن نسبة المشاركة تعد استثنائية في ظروف اجتماعية واقتصادية غير ملائمة.

من هنا أهمية الثقافة السياسية التي تتميز بالاهتمام والمشاركة، بصرف النظر عن المستوى الاقتصادي والأوضاع الاجتماعية السائدة،- الأمر الذي يؤكد أولوية التوعية والتثقيف، وضرورتها لتوسيع دوائر المشاركة السياسية.  
      

الثقافة السياسية كنتاج لعملية الإصلاح:
 
تقدم عملية الإصلاح السياسي عادة نماذج قانونية ودستورية وسلوكية تؤكد سيادة القانون وحقوق الإنسان، والعمل التطوعي، وتضافر جهود الأفراد والجماعات لتحقيق غايات وأهداف التنمية.  مثل هذه النماذج السلوكية والقانونية من شأنها تطوير قيم ومعايير وتوجهات تشكل ثقافة سياسية جديدة أكثر ملائمة للنهضة والتنمية.
 
وعند مراجعة ميثاق العمل الوطني، وكذلك دستور مملكة البحرين، يمكن الوقوف على العديد من هذه النماذج القانونية والسلوكية التي تدفع للعمل والتضافر، وللمساواة أمام القانون واحترام حقوق الإنسان، الأمر الذي يبشر بقيام وتعزيز ثقافة سياسية جديدة في المملكة، قوامها المشاركة السياسية، وهدفها بناء دولة حديثة محورها المواطنة وسيادة القانون وحقوق الإنسان.
 
هكذا فإن الثقافة السياسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمتطلبات الإصلاح السياسي، وبغاياته وأهدافه، وأيضاً بنتائجه وتداعياته.  فالثقافة السياسية الأكثر مشاركة وانفتاحاً هي أساس الإصلاح وجوهره، وهي في الوقت ذاته صمام أمان يضمن نجاحه وفاعليته.  فضلاً عن ذلك، فهي نتاج لعملية الإصلاح، وأحد أهم ثمار المشروع الإصلاحي ونتائجه العملية.

روابط ذات صلة