5 يونيو 2011
الوحدة الوطنية شرط للنهضة والبناء
تعتبر الوحدة الوطنية الأساس في استقرار الدول ونمائها، وهي التي يقوم عليها البناء الوطني السليم وبالتالي تشكل هدف التنمية السياسية وغايتها الأولى، لذلك تحظى بأولوية على ما عداها من أهداف وغايات، كالهوية والمشاركة وبناء المؤسسات وغيرها.

تعتبر الوحدة الوطنية الأساس في استقرار الدول ونمائها، وهي التي يقوم عليها البناء الوطني السليم وبالتالي تشكل هدف التنمية السياسية وغايتها الأولى، لذلك تحظى بأولوية على ما عداها من أهداف وغايات، كالهوية والمشاركة وبناء المؤسسات وغيرها.

من هنا فإن أي مساس بالوحدة الوطنية من شأنه تقويض السلم الأهلي وبالتالي تراجع عملية التنمية السياسية فيها، بما يترتب عليه من تهديد لوجود الدولة وبقائها، وعليه فإن الوحدة تشكل بحق أهم الثوابت الوطنية وأكثرها إلحاحا وحيوية.

مفهوم الوحدة الوطنية:

يرتكز مفهوم الوحدة الوطنية على ركيزتين أساسيتين:

الركيزة الأولى:الجانب المعنوي أو السيكولوجي القيمي، الذي يرتبط بالمواطنين ووحدتهم وتماسكهم، بمعنى آخر تعظيم الروابط التي تشكل نسيج المجتمع وقوام اللحمة بين عناصره ومكوناته. وأساس هذه الروابط دائماً الانتماء وحب الوطن والرغبة في العيش المشترك.

الركيزة الثانية:الجانب المادي الإقليمي والقانوني، الذي يرتبط بالأساس بوحدة الدولة وتكاملها، وقيام نظم قانونية ودستورية ومؤسسية تكفل الحفاظ على الوحدة والشعب وتماسكه وترابط مقوماته وعوامل وجود الوطن.

من هنا تأتي أهمية الوحدة الوطنية باعتبارها القاعدة الأساسية لإقامة أي دولة حديثة، وعلى بناء نموذج للتقدم والديمقراطية.  ويتفق معظم الباحثين حول الأولوية التي تحظى بها الوحدة الوطنية في بناء هذا النموذج، فالوحدة الوطنية أحد أضلاع مثلث يشكل قاعدة ارتكاز للدولة الحديثة، وتشمل هذه الأضلاع الثلاث:

أولاً:الوحدة الوطنية وما تمثله من علاقات تماسك وترابط بين مختلف عناصر الدولة والمجتمع:  إقليميا وقيمياً واجتماعياً وثقافياً، وهي علاقات تجمع في إطارها بين ماضي الدولة وانجازاتها السابقة، وبين حاضرها وما تشهده من نهضة وتطور، ومستقبلها وما يمثله من رؤى واستشرافات.

ثانياً:انتماء وطني يسمو على مختلف الانتماءات والولاءات الأخرى. فالوحدة الوطنية والانتماء الوطني كلاهما لا يتناقض مع التعددية، بل يفرضها ويزدهر من خلالها، على أن تجري هذه التعددية، بمظاهرها وتفاعلاتها، من خلال إطار يحترم سمو الهوية الوطنية على مختلف الهويات، واحترام الانتماء الوطني والولاء للوطن من قبل جميع الأفراد والجماعات على اختلاف ولاءاتهم وانتماءاتهم.

ثالثاً:الشراكة بين المجتمع المدني والدولة بمؤسساتها المختلفة، هي شراكة تكفل مشاركة واسعة في عملية بناء الدولة، وفي تحقيق النهضة والتنمية. ولا تتحقق مثل هذه الشراكة عادة دون ضمانات دستورية وقانونية تكفل ليس فقط حق المشاركة على قدم المساواة للجميع، بل وتعزز سيادة القانون وحقوق مختلف الجماعات والأفراد، على اختلاف انتماءاتها السياسية أو المذهبية أو الثقافية أو العرقية.


هذه الأضلاع الثلاث:  علاقات التماسك والترابط، مشاعر الانتماء والولاء للوطن، ومشاركة مختلف القوى في التنمية والبناء تشكل في الواقع مقومات الدولة الحديثة وبقائها في عالم تتلاشى فيه المسافات، وتتراجع أهمية الحدود السياسية بين الدول، بحيث يبدو هذا العالم بقاراته المتباعدة وكأنه مجرد قرية صغيرة متجاورة الوحدات والمكونات.  بعض هذه الوحدات، كمملكة البحرين، تسعى دائماً أن تقدم نموذجاً للتطور والتميز في إطارها الإقليمي والعالمي، وفي مثل هذه الحالة لا غنى عن تلك الأضلاع الثلاث، والتي ترتكز في جوهرها على مفهوم الوحدة الوطنية.

وفي هذا السياق تبدو أهمية إدارة أي اختلاف باعتباره تعبيراً عن الطبيعة الإنسانية للبشر:  المكون الرئيسي للجماعات والمنظمات والوحدات المختلفة التي تتيحها التعددية للمجتمعات المعاصرة.

مصدر هذا الاختلاف – إن وجد - قد يكون بين جماعات تختلف في تكوينها وطبيعتها:  كجماعات النوع الاجتماعي – المرأة والرجل – أو جماعات عرقية – السود والبيض والملونين – أو الجماعات السياسية كالجمعيات والأحزاب السياسية والحركات الأيديولوجية.

من هنا تتطلب الوحدة الوطنية ضرورة التعايش، في إطار من التسامح والحرية المسئولة، بين هذه التكوينات والجماعات على اختلاف طبيعتها والولاءات التي تمثلها. وهذا الإطار من التسامح يعني نبذ العنف، والتخلي عن أساليب الكراهية واحترام الخصوصية والهوية الوطنية والانتماء الوطني وما يمثله من سمو وأولوية تسبق كافة الولاءات والانتماءات الأخرى في الدولة.

آليات تحقيق الوحدة الوطنية:

هناك وسائل وأساليب عديدة لتحقيق مثل هذا التماسك والتكامل منها القانونية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، تدور كلها حول تعميق الرغبة في العيش المشترك لدى قطاعات ومكونات المجتمع، والحفاظ على التعددية في إطار الانتماء الوطني الشامل وتلطيف حده الاختلافات بين الجماعات والعناصر المتنوعة، بما يجعل التعدد والتنوع مصدر ثراء وقوة، وليس مصدر تهديد أو ضعف يعاني منه المجتمع. وتتراوح هذه الوسائل والأساليب من التحاور والإقناع والتفاهم إلى التنشئة والتوعية السياسية وصولا إلى حد استخدام الحلول الأمنية لحماية الدولة وحدودها وسلامة إقليمها ووحدته، عندما يثبت وجود ما يهدد مثل هذه الوحدة لإقليم الدولة وتكامله.

وتلجأ مختلف دول العالم إلى أدوات التنشئة السياسية لتعزيز الوحدة الوطنية، وتنظيم مشاعر الولاء للوطن وتأكيد القواسم المشتركة التي تجمع بين أبناء الشعب الواحد.

أدوات التنشئة التي تستخدم لتحقيق الوحدة الوطنية:

1- الأسرة، والتي تتولى صياغة شخصية الطفل منذ الولادة، فتخلق لديه منذ البداية أبجديات ولائه وانتمائه وأولويات توجه مشاعره وتشكيل وجدانه السياسي والتي تتطور فيما بعد إلى شكل " المواطن الصالح " الذي ينشده مجتمعنا.

2- التعليم ومؤسساته بما في ذلك مؤسسات التعليم العالي، حيث تعمل هذه المؤسسات على نحو مهني ونظامي على غرس وتطوير قيم المواطنة وحب الوطن وقداسته ووحدته وأهدافه وقيمه، ورسم صورة لمستقبل نهضته وتفرده في ظل تماسك أبنائه وقوة إرادته ووحدة الشعب والإقليم.

3- الإعلام ودوره في تعزيز وحدة الدولة وسيادتها وسموها وحماية مقوماتها وأركانها الأساسية وهي الشعب والإقليم والسيادة. ويتعاظم دور الإعلام خصوصا لدى الشباب، تحت تأثير تطور تقنيات الاتصال الجماهيري وشبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي وغيرها من الأدوات الأخرى.

4- المؤسسات الدينية ودور الخطاب الديني في توحيد صفوف الأمة وتماسكها وترابط عناصرها، خصوصا وقت الأزمات. وتكتسب هذه المؤسسات الدينية أهمية نتيجة لما يتميز به الشعب من عاطفة دينية وتدين واحترام وأولوية يمنحها أبناء المجتمع للرموز الدينية.

5- الجمعيات الشبابية والنوادي ومؤسسات المجتمع المدني وما تقوم به من أدوار وأنشطة تطوعية لها دورها الإيجابي في تعزيز التماسك الوطني وتقوية الشعور بالانتماء والولاء للوطن كولاء نهائي وأساس يسبق ما عداه من ولاءات وانتماءات.

الوحدة الوطنية شرط ضروري للنهضة والتنمية :


تحتاج أية نهضة وأية إستراتيجية للتنمية إلى بناءٍ للقدرات وتجميع وتعظيم للموارد وترشيد وعقلانية وتخطيط وتوجيه كل الطاقات في اتجاه تحقيق الأهداف والرؤى التي ارتضاها المجتمع والدولة لتحقيق تلك النهضة أو التنمية. هذه هي المتطلبات والشروط الأولية للنهضة والبناء وهي متطلبات لا يمكن الوفاء بها إلا من خلال الوحدة الوطنية والتكامل الإقليمي للدولة بما يوفره ذلك من تماسك للنسيج المجتمعي والالتفاف حول المصلحة الوطنية وتضافر مختلف الجهود في اتجاه النهضة والتنمية.

لقد أشار صاحب السمو الملكي سمو ولي العهد الأمين في كلمته السامية في  ابريل الماضي إلى التحدي الرئيس الذي تفرضه ضرورة البناء والتحديث والتطوير من خلال المحافظة على الوحدة الوطنية وتعزيز اللحمة بين أبناء المجتمع البحريني، ونبذ العنف والفرقة والطائفية وإعلاء قيمة العمل والبناء والفكر الخلاق. كما أكد سموه على أن قصة النجاح التي تعيشها البحرين لا يمكن السماح بالنيل منها عن طريق شق المجتمع البحريني وتهديد وحدته الوطنية وقيم الاحترام المتبادل ومفهمون الانصهار والتلاحم في الوطن، والتي تشكل امتداداً لتاريخ عريق وحد المسيرة الوطنية وألهم أبناء الشعب من وطن يرنو دائما إلى إن يكون الوطن النموذج المشترك الجامع بين مواطني البحرين وليس على الطائفة أو المنطقة، وإنما على احترام وسيادة القانون. كما أكد سموه في كلمته السامية على أهمية واستمرار مبادئ الإصلاح وتبني التعددية الجامعة بعيدا عن كل أشكال الاصطفاف والتطرف.

الوحدة الوطنية في ظل المشروع الإصلاحي:

يؤكد دستور مملكة البحرين وميثاق العمل الوطني على أهمية ودور الوحدة الوطنية، وأشارا إلى مجموعة من المبادئ والأسس التي من شأنها تعزيز الوحدة الوطنية وفي مقدمتها:

1- الحقوق والحريات: وأهمها كفالة الحريات الشخصية والمساواة وحرية التعبير والنشر وحرية العقيدة والعمل كحق وكواجب.

2- الأسرة باعتبارها أساس المجتمع، وقوامها الدين والأخلاق وحب الوطن . كما إن القانون يحفظ كيانها الشرعي ويقوي أواصرها ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة ويرعى النشئ.

3- ترعى الدولة التعليم والثقافة والعلوم والآداب والفنون، كما ينظم القانون أوجه العناية بالتربية الدينية والوطنية في مختلف المراحل كما يعني بتقوية شخصية المواطن واعتزازه بعروبته.

وفي إطار المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى تبدو الأهمية المركزية للمفاهيم التي تؤكد على تعزيز الوحدة الوطنية، باعتبارها الدعامة الأساسية التي تستند إليها جهود المملكة وإنجازاتها. ويؤكد ميثاق العمل الوطني على الأهمية والاستمرارية التي يشكلها ذلك التلاحم الدائم بين الشعب والقيادة، والتعامل بواقعية مع التحديات والقضايا الجوهرية. كما يؤكد الميثاق – في مقدمته وتحت عنوان شخصية البحرين التاريخية:  حضارة ونهضة – على تلك الشراكة الدستورية بين الشعب والحكومة "كترجمة لروح الوحدة الوطنية وتجسيد حي لها".  ويأتي الحفاظ على الوحدة الوطنية ضمن أول أهداف الحكم وأسسه وفق الميثاق.

ويؤكد ميثاق العمل الوطني على ضرورة صيانة البلاد ورفع شأن الدولة والحفاظ على الوحدة الوطنية كأولويات وأهداف مركزية تشكل المقومات الأساسية للمجتمع والدولة في مملكة البحرين.  كما يؤكد على القيم الرفيعة التي تتمسك بها المملكة، ملكاً وحكومة وشعباً، والتي تدور حول العدل والمساواة وسيادة القانون والحرية والأمن والطمأنينة والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وكذلك قيم التراحم والمودة والتكافل والتعاون، والمساواة والأمن والطمأنينة والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وكذلك قيم التراحم والمودة والتكافل والتعاون والتواصل بين الحاكم وأفراد الشعب. كما أكد في مقدمة الفصل الأول على الأهمية المركزية لمجموعة القيم التي تضمن تماسك المجتمع وترفع به إلى الأمام وتعمل على رقيه، والتي بدونها لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر أو ينجح في بناء حضارة متميزة، على مدى قرون، كشأن المجتمع البحريني.

كما جاء في مقدمة ميثاق العمل الوطني أن "جلالة الملك يطمح إلى تحقيق نهج ديمقراطي لتحقيق الشراكة الدستورية بين الشعب والحكومة" حيث تتوافر الإرادة السامية للانتقال إلى دولة عصرية استكملت كل أطرها السياسية والدستورية. وفي الفصل الأول تحت العنوان"  أولاً:  أهداف الحكم وأساسه" تضمن مباشرة ما يؤكد أولوية هدف الوحدة الوطنية "وصيانة البلاد ورفع شأن الدولة وتحقيق التنمية.

كما نص دستور مملكة البحرين – في ديباجته – على تلك المنظومة من القيم الرفيعة والمبادئ الإنسانية التي تضمنها الميثاق، والتي تؤكد وتيسر تكاتف جهود جميع الجهات والأفراد لدى شعب البحرين لينطلق في مسيرته المظفرة إلى مستقبل مشرق.

واعتبر الدستور – في نص المادة 33 الفقرة أ- أن جلالة الملك هو رمز الوحدة الوطنية، فضلاً عن كونه رأس الدولة والممثل الأسمى لها، وإن ذاته مصونة، لا تمس، وأنه هو الحامي الأمين للدين والوطن.

لقد أكد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى في كلمته السامية مؤخراً لرجال الصحافة والإعلام على المسئولية الكبيرة التي يتحملها الصحفيين والإعلاميين في هذه المرحلة والتي تتطلب رأب الصدع الاجتماعي والعمل على ترشيد الرأي العام وحفظ الوحدة الوطنية واستعادة الثقة بين الجميع لأن مسيرة التنمية والبناء تبنى بسواعد جميع أبناء الوطن الواحد دون تفريق أو محاباة، وان الوطن الواحد يبنيه الشعب الواحد الذي يضع نصب عينيه المصلحة العليا للوطن بما يحقق التطلعات المشروعة لكل فرد فيه دون إضرار بالآخرين.




روابط ذات صلة