14 أغسطس 2011
الطبيعة القانونية للانتخاب
يرتبط الانتخاب بالديمقراطية في العصر الحديث ارتباطاً وثيقاُ، جعل منه الوسيلة الأساسية لإسناد السلطة في الديمقراطية المعاصرة، على عكس الديمقراطيات القديمة التي لم يأخذ الانتخاب فيها مكاناً بارزاً، ذلك لقيامها على أساس الديمقراطية المباشرة، وأخذها بوسيلة القرعة بصفة أساسية.

يرتبط الانتخاب بالديمقراطية في العصر الحديث ارتباطاً وثيقاُ، جعل منه الوسيلة الأساسية لإسناد السلطة في الديمقراطية المعاصرة، على عكس الديمقراطيات القديمة التي لم يأخذ الانتخاب فيها مكاناً بارزاً، ذلك لقيامها على أساس الديمقراطية المباشرة، وأخذها بوسيلة القرعة بصفة أساسية.

في الوقت الحاضر أخذ الانتخاب هذه المكانة السياسية بسبب استحالة تطبيق النظام الديمقراطي المباشر، ولأن الديمقراطية النيابية أصبحت ضرورة حتمية في الدول الديمقراطية،  والتحولات نحو الديمقراطية آخذة في الاتساع نحو العالم.


لا يكون الانتخاب معبراً عن روح الديمقراطية إلاّ بقدر ما يكون وسيلة لمشاركة أكبر عدد ممكن من المواطنين في العملية الانتخابية. كما لا يكفي أن يكون اختيار الهيئات النيابية بطريقة الانتخاب ليصبح النظام ديمقراطياً بل يجب أن يكون حق الاقتراع عاماً دون أن يكون مقيداً.

يعرف الانتخاب بأنه الوسيلة الأساسية لاختيار أعضاء السلطة التشريعية في النظم الديمقراطية، ولتحقيق حق المشاركة في الحياة السياسية من جانب أفراد الشعب.


التكييف القانوني للانتخاب

اختلفت الآراء الفقهية حول تحديد الطبيعة القانونية للانتخاب. فظهرت الاتجاهات المتعددة في تحديد هذه الطبيعة، فهناك من يرى أن الانتخاب هو حق من الحقوق الفردية، في حين يرى رأي آخر أن الانتخاب هو وظيفة، بينما جمع البعض الآخر بين الاتجاهين معاً أي أن الانتخاب هو حق ووظيفة، والرأي الأخير ذهب إلى تكييف الانتخاب على أساس أنه سلطة قانونية مقررة للناخب من أجل المصلحة العامة.

  

في هذا المقال سنتناول الطبيعة القانونية للانتخابات وفقا لهذه الآراء الفقهية وذلك على النحو الآتي:


أولاً: الانتخاب حق شخصي

يذهب هذا الاتجاه إلى أن الانتخاب حق شخصي يتمتّع به كل مواطن، ويثبت هذا الحق لكل فرد على أرض الدولة على أساس المساواة بين المواطنين، باعتباره من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز حرمان أحد منها.

واعتبار أن الانتخاب حق شخصي هو أهم نتائج نظرية سيادة الشعب، على أساس أن كل فرد منه يملك جزءاً من السيادة، وأن حق الانتخاب هو وسيلة الأفراد في ممارستهم لهذه السيادة التي هي مجموع حقوق الأفراد جميعاً. وهذا ما عبر عنه الفقيه روسو بقوله "إن التصويت حق لا يمكن انتزاعه من المواطنين ".

ويترتب على كون الانتخاب حق شخصي عدم جواز تقييد هذا الحق بشروط معينة تحد من استعمال الأفراد له، أي أن الاقتراع يجب أن يكون عاماً، وللأفراد كامل الحرية في استعمال هذا الحق أو عدم استعماله، بدون جبر أو إلزام بمعنى أن التصويت يكون اختيارياً وليس إجبارياً طبقاً لهذه النظرية فلا يجوز فرض عقوبة كجزاء للامتناع عن التصويت.


ثانياً: الانتخاب وظيفة


لا يعتبر الانتخاب حقاً عند أصحاب هذا الاتجاه، وإنما هو مجرد وظيفة يؤديها المواطن نتيجة لانتمائه إلى الأمة صاحبة السيادة. أي أن سلطة الانتخاب لا تمنح للأفراد لأنهم أصحاب سيادة، ولكن بصفتهم ملزمين باختيار ممثلين عن الأمة ليعبروا عن سيادتها، وهم إذ يمارسون عملية الاختيار هذه لا يمارسون حقاً شخصياً لهم، وإنما يمارسون وظيفة وبالتالي لا تعطى هذه الوظيفة إلا للأجدر والأكثر كفاءة فينحصر ذلك في فئات قليلة من الناس.


في عهد الثورة الفرنسية حظيت هذه النظرية بقبول كبير، حيث أيدتها الجمعية التأسيسية سنة 1791، وضمنت في الدستور الصادر في نفس العام ، وكذلك في نظام الانتخاب الذي تم إقراره حينذاك، إذ تم تقسيم المواطنين إلى طائفتين، طائفة المواطنين الإيجابيين أو العاملين، وهم الذين لهم حق مباشرة الحقوق السياسية، وعلى رأسها حق الانتخاب، ولكن بشروط معينة كان أهمها شرط النصاب المالي، أما الطائفة الثانية، فهي طائفة المواطنين السلبيين أو غير العاملين الذين لا يتمتعون بالحقوق السياسية، أي ليس لهم حق الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.

ومن الواضح أن النتائج التي ترتبت على هذه النظرية مخالفة لنتائج النظرية الأولى "الانتخاب حق شخصي"، إذ يجوز تقييد حق الانتخاب بشروط معينة سواء من حيث الثروة أو الكفاءة، ويكون للأمة حق إجبار الأفراد على مباشرة الانتخابات، كما اعتبر البعض المشاركة في العملية السياسية واجباً وطنياً شأنها شأن الخدمة العسكرية، وما يقتضيه ذلك من وضع عقوبة على التخلف عن المشاركة في التصويت، كما هو حال التخلف عن الاستدعاء للخدمة العسكرية.

ثالثاً: الانتخاب حق ووظيفة

ذهب بعض الفقهاء إلى الأخذ بموقف وسط والجمع بين الفكرتين السابقتين على أساس تكييف الانتخاب بأن له صفتين ، صفة الحق وصفة الوظيفة معاً، ويفسر بعض أنصار هذا الاتجاه الجمع بين الفكرتين السابقتين بأن الانتخاب حق فردي ، ولكنه يعتبر وظيفة واجبة الأداء في نفس الوقت، بينما ذهب البعض الآخر إلى القول بأن هذا الجمع لا يعني أن الانتخاب يكون حق ووظيفة في ذات الوقت ، لأنه لا يمكن الجمع بين هاتين الصفتين المتعارضتين في لحظة واحدة. وإنما الصحيح أن الانتخاب يعتبر حقاً شخصياً تحميه الدعوى القضائية في البداية، أي عند قيام الناخب بقيد اسمه في جداول الانتخابات. ولكن يتحول إلى مجرد وظيفة تتمثل في الاشتراك في تكوين الهيئات العامة في الدولة عند ممارسة عملية التصويت ذاتها.

وبمعنى آخر، لا يحدث هذا الجمع في وقت واحد، وإنما يتم بشكل متتابع، فيأخذ الانتخاب صفة الحق أولاً ، ثم يصبح وظيفة بعد ذلك.

  

رابعاً: الانتخاب سلطه قانونيه

يتجه هذا الرأي إلى أن التكييف القانوني الصحيح للانتخاب لا يعتبره حقاً أو وظيفة ، وإنما هو سلطة أو مُكنة قانونية تعطى للناخبين لتحقيق المصلحة العامة، وليس لمصلحة شخصية. وذلك على أساس أن القانون هو الذي يتولى تحديد مضمون هذه السلطة وشروط استعمالها بالنسبة لجميع المواطنين دون تفرقة، ويترتب على هذا التكييف أن المشرع له أن يعدل في شروط ممارسة حق الانتخاب سواء بالتقييد أو التيسير طبقاً لمتطلبات الصالح العام ، ودون أن يكون لأحد أن يحتج على ذلك.


ويذهب مع هذا الرأي الأخير الفقيه الفرنسي (بارتلمي) بالقول أن المشاركة الانتخابية تستمد شرعيتها من قانون الانتخاب الذي يقررها ويحدد كيفية ممارستها، ومن ثم فهي لا تعتبر حقاً شخصياً طبيعياً ينبغي أن يتمتع به جميع الأفراد وإنما هي سلطة قانونية مستمدة من مركز موضوعي ينشئه القانون من أجل تمكين المواطنين من المشاركة في اختيار السلطات العامة في الدولة.

وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الانتخاب حق وواجب وسلطة ينظمها القانون، وتفرضها الطبيعة الديمقراطية للنظم السياسية المعاصرة.




روابط ذات صلة