16 أكتوبر 2011
مفهوم الدولة المدنية
مفهوم الدولة المدنية الذي أكد عليه حضرة صاحب جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى خلال حفل افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثالث (الفصل التشريعي مدته 4 سنوات ويتضمن 4 أدوار انعقاد)، ليس بجديد، فالمشروع الإصلاحي الذي دشنه العاهل المفدى قبل نحو عقد من الزمن قام على الانتقال بالبحرين إلى مرحلة جديدة تضمن لها التطور في مختلف المجالات وفق نموذج مدني عصري.

مفهوم الدولة المدنية الذي أكد عليه حضرة صاحب جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى خلال حفل افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثالث (الفصل التشريعي مدته 4 سنوات ويتضمن 4 أدوار انعقاد)، ليس بجديد، فالمشروع الإصلاحي الذي دشنه العاهل المفدى  قبل نحو عقد من الزمن قام على الانتقال بالبحرين إلى مرحلة جديدة تضمن لها التطور في مختلف المجالات وفق نموذج مدني عصري. 

هنا ينبغي التوقف حول مفهوم الدولة المدنية، وتحديد ملامح هذا المفهوم، فهل تختلف الدولة المدنية عن المملكة الدستورية؟ (44 دولة في العالم تقريباً تتمتع بنظام حكم ملكي).

مفهوم الدولة المدنية مفهوم حديث في تداوله وانتشاره، وليست له معان معينة في شكل الدولة أو مؤسساتها بمعنى دقيق، ولكن يمكن القول إن هناك دولاً مدنية، وأخرى دينية، وبعض الدول عسكرية. كمفهوم سياسي فإن الدولة المدنية تعني أن يكون هدف الدولة الحفاظ على كافة أعضاء المجتمع دون النظر إلى انتماءاتهم القومية والدينية، وحتى الجنس، والفكر، فهي دولة تقوم على ضمان حقوق وحريات كافة المواطنين وفق أسس المواطنة التي تعني المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. والدولة المدنية هي دولة القانون والمؤسسات، وتحترم حقوق الإنسان.

وفقاً لهذا المفهوم فإن لجميع المواطنين حقوقاً يجب أن يتمتعوا بها، وبالمقابل هناك واجبات عليهم تأديتها. ومعادلة الدولة المدنية تقوم على ألا يمكن إنشاء دولة مدنية دون مواطنة، كما لا يمكن تحقيق المواطنة بدون دولة مدنية. وما يحفظ هذه المعادلة هو الدستور الذي ينبغي التوافق عليه، وهو الذي يحفظ ويصون حقوق الجميع في مختلف المجالات، كما أنه هو الذي يحافظ على الحريات والحقوق العامة، سواءً كانت حرية الاعتقاد، أو حرية العبادة، أو حرية التعبير والرأي.. الخ من حقوق وحريات.

وبالتالي فإن مفهوم الدولة المدنية في البحرين، يعني أن الدولة هي التي تكفل كافة الحقوق للمواطنين من مختلف المكونات والطوائف، وبالمقابل على هؤلاء المواطنين أن يحترموا الدولة ودستورها، لأن عليهم واجبات ينبغي الالتزام بها. فالحصول على الحق في الدولة المدنية لا يعني عدم القيام بواجبات المواطنة تجاه الدولة.  

من المسائل الهامة في الدولة المدنية، وهي الإرادة الشعبية، ويقصد بها مجموع إرادة الغالبية العظمى من المواطنين التي توافقت على ميثاق العمل الوطني، والذي بموجبه تم تعديل دستور مملكة البحرين. وما يؤكد أهمية الإرادة الشعبية أن الدستور اعتبر السيادة للشعب الذي يعد مصدراً للسلطات جميعاً.

وبهذا المعنى فإن الدولة المدنية تقتضي ألا توجد سلطة فوق الدستور الذي ينظم حقوق وواجبات المواطنين. ولذلك فإنه لا سلطة تقيّد حرية المواطنين وحقوقهم باستثناء التي حددها الدستور، مما يعني أنه لا توجد سلطة من مرجعية دينية أو قبلية أو طائفية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وغيرها.

فيما يتعلق بشكل وملامح الدولة المدنية، باعتبارها دولة القانون والمؤسسات، فإنها تتسم بالفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية) بشكل متوازن، وكفالة حرية التعبير من خلال حرية الصحافة والتنظيم السياسي (تشكيل الجمعيات السياسية)، والأنشطة النقابية، ومؤسسات المجتمع المدني. بالإضافة إلى تحديد صلاحيات أعضاء السلطات الثلاث لتكون واضحة ويمكن محاسبة من يتمتع بهذه الصلاحيات حسبما يقرره الدستور.

من متطلبات الدولة المدنية احترام التعددية السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، ولذلك تكون هناك حاجة مستمرة لتكريس وتعميق مفهوم الوحدة الوطنية عبر استحداث البرامج الفاعلة طويلة المدى لغرس الولاء والانتماء الوطني، بدلاً من ترك المجال أمام أشكال أخرى من الولاءات الدينية والطائفية والقبلية.. الخ.

الدولة المدنية تعني أن الشعب يحكم نفسه عبر المؤسسات الدستورية، كما هو الحال في المجلس الوطني (البرلمان)، ولا يمكن السماح بإنشاء مؤسسات موازية تقوم بأنشطة مماثلة، أو تقوم بأنشطة في مجالات سيادية. كذلك من المهم في الدولة المدنية أن يكون هناك اعتراف متبادل بين كافة مكونات المجتمع بحقوقها ومصالحها، وضمان معاملة الجميع بشكل متساو حسبما يقرره الدستور.

التنظيمات السياسية من متطلبات الدولة المدنية باعتبارها حق من حقوق المواطنين السياسية، فمن حق كل مواطن أن يعبّر عن آرائه السياسية مع احترام آراء الآخرين وعدم إقصائها ومخالفة القوانين والثوابت الوطنية التي تم التوافق عليها في الدستور. ولذلك أعطى دستور مملكة البحرين كافة المواطنين الحق في تشكيل جمعياتهم السياسية التي تقوم بأدوار مماثلة لما تقوم به الأحزاب السياسية في مختلف بلدان العالم وإن اختلفت التسميات. ومع ذلك لابد من الإشارة إلى أنه لا يمكن إقامة وتأسيس تنظيمات سياسية خارج إطار القانون في الدولة المدنية، لأن الحق في تشكيل هذه التنظيمات يقرره الدستور وينظم ممارساته، وسلطة الدستور يجب أن تطبق على الجميع.

حقوق الإنسان في الدولة المدنية مصانة نظراً لأهميتها المستمدة من حقوق المواطنين، فانتهاك حقوق الإنسان تعني انتهاك حقوق المواطنين المحددة دستورياً. ولذلك كانت لها أهميتها الخاصة في البحرين باعتبارها حقوق أصيلة أقرّها الدستور، وهي جزء من التزامات مملكة البحرين دولياً بموجب الاتفاقيات والمواثيق الحقوقية التي وقعت عليها المملكة والتي تعززت في ظل المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المفدى. 

ما يميّز الدولة المدنية أنها دولة تقوم على سيادة القانون، وبالتالي لا توجد سلطة على أحد سوى سلطة القانون الذي ينظم العلاقات بين الأفراد والأفراد، والمؤسسات مع الأفراد، بالإضافة إلى تنظيم العلاقة بين المؤسسات والمؤسسات الأخرى.

أخيراً فإن مفهوم الدولة المدنية يشهد تنوعاً واسعاً، لأنه يعتمد على العديد من تجارب البلدان وتراكم خبراتها الإنسانية لتجد ما يناسبها، وما يتناسب مع تطورها السياسي.

روابط ذات صلة