4 نوفمبر 2011
الهوية الوطنية
كيف يشعر المواطن البحريني بهويته الوطنية؟ وما شكل هذه الهوية ومظاهرها؟ وما علاقة هذه الهوية بالدولة والتحول الديمقراطي الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن؟ هذه الأسئلة وأخرى سنحاول الإجابة عليها بإيجاز ووضوح في عمود الثقافة السياسية اليوم.

كيف يشعر المواطن البحريني بهويته الوطنية؟ وما شكل هذه الهوية ومظاهرها؟ وما علاقة هذه الهوية بالدولة والتحول الديمقراطي الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن؟ هذه الأسئلة وأخرى سنحاول الإجابة عليها بإيجاز ووضوح في عمود الثقافة السياسية اليوم.

في عالم متنوع الثقافات والحضارات بدرجة عالية من التداخل بسبب تطور التكنولوجيا وخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال فإنه بات من الصعب وضع حدود فاصلة وقاطعة بين هوية وطنية وأخرى. ويبقى السؤال هنا؛ ما هي الهوية الوطنية؟

الهوية الوطنية تعبير يطلق على ما يميّز مجموعة من الأفراد في دولة ما عن نظرائهم في دولة أخرى. بمعنى أن الهوية الوطنية تتضمن مجموعة من العناصر التي تجعل الأفراد يرتبطون مع بعضهم بعضاً، وتجعلهم ينتمون لمنطقة جغرافية معينة، وتكون الهوية الوطنية في النهاية ارتباطاً بين الأفراد وارتباطاً بين الأرض لتجعل الهوية تختلف من مكان لآخر.

وبهذا المفهوم البسيط يمكن القول إن الهوية الوطنية لشعب البحرين تختلف عن الهوية الوطنية للشعب الأمريكي مثلاً، أو الشعب الهندي.. إلخ. وما يساهم في إحداث الاختلافات بين الهويات (جمع هوية) مجموعة من العناصر المشتركة التي تتضمن القيم، والعادات والتقاليد، والمصالح والاهتمامات، بالإضافة إلى التاريخ المشترك. وما يؤدي إلى تكوين الهوية الوطنية في دولة ما جمع هذه العناصر في رقعة جغرافية معينة بين مجموعة من الأفراد الذين أقاموا فيها بالتعايش السلمي لفترة طويلة نسبياً من الزمن.

وبالتطبيق على مجتمع البحرين سنجد أن الهوية الوطنية تتضمن القيم المستمدة من الثقافة العربية والإسلامية، وكذلك العادات والتقاليد التي توارها شعب البحرين جيلاً بعد آخر، كما يتفق شعب البحرين حول مجموعة من المصالح والاهتمامات المشتركة التي يسعون للحفاظ عليها باستمرار في الدولة وتضمن لهم الاستمرارية جيلاً بعد جيل، فضلاً عن التاريخ المشترك للتعايش السلمي بين كافة الأفراد.

الهوية الوطنية في مجتمع ما لا تعني تماماً غياب هويات فرعية أصغر، ففي جميع مجتمعات العالم توجد هويات أصغر تميّز الأقليات أو الجماعات في المجتمع الأكبر الذي يجمع هذه الهويات في هوية وطنية عامة تستوعب الجميع. ففي المجتمع الأمريكي توجد العديد من الهويات الفرعية للعرب الأمريكيين أو المسلمين الأمريكيين أو حتى الأمريكيين من أصول آسيوية أو لاتينية وغيرهم. ولكن تبقى الهوية الأمريكية الأساسية جامعة لكافة الهويات الصغيرة.

وكذلك الحال في مملكة البحرين التي يصنف مجتمعها بأنه مجتمع تعددي يضم مجموعة من الطوائف التي لها خصوصياتها ولها هوياتها الفرعية، ولكن بالمقابل هناك هوية وطنية بحرينية تضم الجميع.

العلاقة بين الهويات الفرعية والهوية الأساسية علاقة يجب أن تكون متوازنة بمعنى أن تقوم على الاحترام والاستيعاب المتبادل، بمعنى أن تستوعب الهوية الوطنية كافة الهويات الأصغر، وتحافظ على مصالح كافة الأفراد بهوياتهم المختلفة ومصالحهم وحقوقهم. وكذلك الحال بالنسبة للهويات الفرعية التي يجب أن تراعي المصلحة العامة ومصالح مختلف الهويات الفرعية والأهم الهوية الوطنية الأساس.

ما يضمن تحقيق هذه المعادلة، هو المواطنة التي تنظم عادة من خلال الدساتير والقوانين، فكافة المواطنين يتمتعون بمجموعة من الحقوق، وعليهم مجموعة من الالتزامات تسمى بالواجبات. ووفقاً لهذا المفهوم فإن الهوية الوطنية تعادل الانتماء الوطني القائم على المواطنة التي تحترم الحقوق والواجبات وكافة مكونات المجتمع.

الهوية الوطنية لها عدة مظاهر تحرص المجتمعات والدول عليها، وتشمل علم وشعار الدولة، والنشيد الوطني، وجواز السفر، والمناسبات الوطنية. أما الجانب الأهم في مظاهر الهوية هو تمتع المواطنين بالخدمات التي تقدمها الدولة باعتبارها حقاً من حقوقهم ينبغي الحصول عليه مقابل أدائهم الالتزامات المفروضة عليهم حسب الدستور والقانون.

أما فيما يتعلق ببناء الهوية الوطنية فإنها عملية معقدة وتحتاج لفترة زمنية طويلة حتى يمكن تحقيقها، وعادة ما تكون هذه العملية أسهل وأسرع في المجتمعات التي لا تتميّز بالتعددية، وتكون أصعب وأبطأ في المجتمعات التعددية التي تستغرق فيها العملية عقوداً طويلة من الزمن، لأنها تواجه تحديات مختلفة بسبب الحاجة للتوفيق بين جميع الهويات الفرعية لتكوين هوية وطنية رئيسة.

وبناء الهوية الوطنية مسؤولية جماعية، فهي ليست ملقاة فقط على عاتق الحكومة، وإنما هي مسؤولية تشترك فيها كافة مؤسسات الدولة الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني، ورجال الدين، ووسائل الإعلام، والأفراد أنفسهم. وعادة ما تحرص الدول على إقامة سلسلة من المشاريع الداعمة لبناء الهوية الوطنية، والتي تجمع مكونات المجتمع المختلفة وتكوّن بينهم أرضية مشتركة يمكن بناء الهوية من خلالها، كما هو الحال بالنسبة لتدريس مقرر التربية الوطنية في بعض المدارس الحكومية أو إقامة عدد من الاحتفالات الوطنية بين وقت وآخر.

كذلك هناك علاقة وثيقة بين الهوية الوطنية والتحول الديمقراطي في كافة المجتمعات، خصوصاً تلك التي نشأت فيها الديمقراطية حديثاً. إذ تتطلب عملية التحول الديمقراطي مواكبة عملية بناء الهوية الوطنية، وألا تكون هناك فجوة بين التحول الديمقراطي والهوية لأنها تخلق عادة مجموعة من الأزمات.

فالتحول الديمقراطي يجب أن يستوعب خصوصية المجتمع ودرجة تعدديته بسبب وجود هويات أصغر. ولذلك ينبغي أن تكون الممارسات المصاحبة للتحول الديمقراطي داعمة لعملية بناء الهوية الوطنية، فمثلاً لا يمكن إنشاء برلمان وهندسة دوائر انتخابية بشكل يتجاهل مكونات المجتمع، ولا يضمن وجود تمثيل عادل بين الجميع في السلطة التشريعية. ولذلك نجد أن المجلس الوطني في مملكة البحرين يضم مجلس الشورى الذي يمكن من خلاله تمثيل كافة مكونات المجتمع ذات الهويات الأصغر التي قد لا تتمكن من الوصول إلى البرلمان من خلال الانتخابات. وأيضاً من التجارب الواضحة على تحقيق معادلة الهوية الوطنية ما تم أثناء إقامة حوار التوافق الوطني من جمع كافة مكونات المجتمع للحوار، والتوافق على مرئيات مشتركة.



روابط ذات صلة