18 ديسمبر 2011
دلالات العيد الوطني
تحتفل مملكة البحرين هذه الأيام بالذكرى الأربعين للعيد الوطني الذي يعتبر مناسبة تاريخية هامة لكافة المواطنين والمقيمين في المملكة. فما هي دلالات العيد الوطني، ولماذا تحتفل الدول بيوم معين كعيد وطني خاص لها؟

تحتفل مملكة البحرين هذه الأيام بالذكرى الأربعين للعيد الوطني الذي يعتبر مناسبة تاريخية هامة لكافة المواطنين والمقيمين في المملكة. فما هي دلالات العيد الوطني، ولماذا تحتفل الدول بيوم معين كعيد وطني خاص لها؟

الأعياد الوطنية تعتبر مناسبات سنوية تحتفل فيها الدول بإنجازاتها ومكتسباتها، والهدف منها أنها تشكل فرصة لتكوين وعي جماعي دوري بضرورة الانتماء الوطني، والارتباط بأرض الوطن من خلال تحديد يوم معيّن في السنة، يتم الاحتفال فيه واستعراض الإنجازات والمكتسبات الوطنية التي تحققت خلال فترة معينة.

وعادة ما ترتبط الأعياد الوطنية بمناسبات تاريخية محددة لها قيمتها الكبيرة لدى الشعب أو المجتمع. فمعظم بلدان العالم حددت أعيادها الوطنية في اليوم الذي نالت فيه الاستقلال، وفي نماذج أخرى يكون العيد الوطني يوم تولى ملك أو إمبراطور أو أمير الدولة مقاليد الحكم. وهناك نماذج أيضاً ترتبط الأعياد الوطنية فيه بيوم تأسيس الدستور، أو إنهاء حالة حرب معيّنة كانت قد مرّت بها في مرحلة تاريخية محددة. وتحتفل مملكة البحرين في السادس عشر والسابع عشر من ديسمبر في كل عام بالعيد الوطني وعيد جلوس حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى.

من الناحية النظرية فإن العيد الوطني هي مناسبة لتعزيز الانتماء الوطني، وزيادة شعور الأفراد بالانتماء لوطن واحد، وأنهم استطاعوا تحقيق إنجازات متعددة، ومكتسبات متنوعة بشكل جماعي خلال فترة زمنية معينة. ولذلك نجد أن الاحتفال بهذه المناسبة يأخذ الطابع السنوي، ولا يقل عن ذلك في معظم الأوقات. ويتم الحرص على أن يأخذ الاحتفال بهذه المناسبة طابعاً احتفالياً من خلال التركيز على الإنجازات التي تحققت على مدى عام كامل، والتطلع نحو مزيد من الإنجازات خلال المستقبل القريب والبعيد.

للعيد الوطني العديد من المعاني والدلالات التي يجب النظر إليها على أنها تشكل المعنى الحقيقي لهذه المناسبة السنوية، وليست مجرد فعاليات احتفالية تقام دورياً وتتضمن مجموعة من الأنشطة والبرامج. فالعيد الوطني كظاهرة سياسية يمكن النظر إليها كالآتي:

أولاً: يعتبر العيد الوطني مناسبة تمثل حاجة طبيعية للإنسان، لأن طبيعته الفردية تحتاج بشكل مستمر إلى التجمع والانتماء ضمن مجموعة واحد ليكون عضواً فيها يتفاعل معها وتتفاعل معه. وبالتالي فإن هذه المناسبة تعكس الشراكة بين كافة مكونات المجتمع، وعدم إمكانية الاستمرار بوجود فئات لا تتفاعل مع هذه الجماعة.

وهذه الحالة تنطبق على مجتمع البحرين المتنوع، فرغم التنوع الواسع الذي يتسم به المجتمع المحلي، إلا أن الأفراد في حاجة مستمرة لأن يكونوا ضمن جماعة أكبر يتفاعلون مع بعضهم بعضاً. وهذا ما يطلق عليه (الهُوية الوطنية)؛ أي الشعور بالانتماء لفئة أو لجماعة رئيسة، بمعنى أن الأفراد عندما يحتفلون بالعيد الوطني، فإنهم يحتفلون بانتماءهم لأرض البحرين وشعب البحرين أيضاً.

ثانياً: يعد العيد الوطني فرصة مناسبة لتعزيز قيم الولاء والانتماء الوطني، ومثل هذه القيم من الطبيعي أن يشهد الأفراد حالة من الفتور أو الضعف في قيمهم المتعلقة بالولاء والانتماء الوطني بين وقت وآخر لأسباب وظروف متعددة. ويأتي الاحتفال بالعيد الوطني ليكون بمثابة تجديد واستذكار لهذه القيم السامية، وبما يعزز حرص وانتماء الأفراد أكثر، عندما يشعرون بمسؤوليتهم تجاه وطنهم، ويشعرون في الوقت نفسه بمسؤولية الوطن تجاههم.

ثالثاً: قد يشهد أي مجتمع أزمات أو مشاكل تتعلق بوحدته الوطنية، وتعد الوحدة الوطنية ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع والحفاظ على أمنه ومقدراته. ومن هنا يأتي الاحتفال بالعيد الوطني ليكون فرصة لتعزيز اللحمة والوحدة الوطنية بين كافة مكونات المجتمع، بحيث يكون فرصة لاستيعاب كافة هذه المكونات في مظلة وطنية جامعة تنهي التنوع والاختلافات مهما كان مصدرها، ولا تكون هناك مظلة وهوية أكبر من الهوية الوطنية الجامعة التي تعكسها مناسبة العيد الوطني.

رابعاً: من دلالات الأعياد الوطنية أنها تعد فرصة لتقييم مسارات الدول من خلال إنجازاتها والوقوف عند التحديات التي قد تواجهها. فالإنجازات موجودة لدى مختلف الشعوب والمجتمع، وكذلك التحديات. وفي أوقات كثيرة يتم تجاهل هذه المكتسبات والإنجازات، وحتى تجاهل مواجهة التحديات والتغلب عليها، ويأتي العيد الوطني ليكون مناسبة سنوية لاستعراض الإنجازات التي تحققت من عيد إلى آخر، ومعرفة مسيرة الإنجازات التي تمت منذ بدء الاحتفال بهذه المناسبة. فضلاً عن تحديد التحديات وتأكيد الإصرار والرغبة الوطنية على التغلب عليها، وتحسين أوضاع وظروف الدولة.

خامساً: يعد العيد الوطني مناسبة سنوية يمكن أن تمثل بداية لمرحلة تاريخية جديدة من تطور الدولة، وهو ما يذكرنا باحتفال البحرين بالعيد الوطني في العام 2000 عندما ألقى عاهل البلاد المفدى خطاباً تاريخياً هاماً أعلن فيه رغبته السامية بتدشين مشروع للإصلاح والتحديث الشامل، وهو ما تمخض عنه لاحقاً إعداد مشروع ميثاق العمل الوطني، وإجراء تعديلات دستورية ساهمت في إعادة الحياة النيابية، وإطلاق الحريات العامة وصيانتها، وإنشاء العديد من المؤسسات الدستورية.

سادساً: قيم المواطنة تشمل مجموعة من الحقوق والواجبات للأفراد، وهي حقوق وواجبات محددة في الدستور عادة، وتنظمها القوانين الوطنية. وحتى يتم التأكد من درجة المواطنة في المجتمع فإن العيد الوطني يعد بلاشك مناسبة دورية أساسية لتقييم المواطنة لدى الأفراد، لأن اليوم نفسه يشهد احتفالاً بالانتماء للوطن الذي كفل لنا كثيراً من الحريات والحقوق، ولكن بالمقابل على المواطنين مجموعة من الالتزامات والواجبات التي ينبغي احترامها والوفاء بها كجزء من قيم المواطنة.

هذه مجموعة من الدلالات الأساسية للعيد الوطني حتى نتعرف على أهميته كمناسبة سنوية يحرص الجميع على الاحتفال بها، من مسؤولين وأفراد، وكذلك مؤسسات الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني. ويتبيّن من خلالها أن العيد الوطني ليس مجرد مناسبة احتفالية بقدر ما يحمل من مسؤولية من الدولة تجاه الأفراد، ومن الأفراد أنفسهم تجاه الدولة أيضاً.


روابط ذات صلة