25 ديسمبر 2011
مفهوم ودلالات الاتحاد الخليجي
شكلت دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في افتتاح اجتماعات الدورة الثانية والثلاثين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في الرياض للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد خطوة تاريخية في مسيرة العمل المشترك بين بلدان مجلس التعاون الخليجي الذي بدأ في مايو 1981. والسؤال المطروح هنا: ما هي دلالات هذه الدعوة؟

شكلت دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في افتتاح اجتماعات الدورة الثانية والثلاثين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في الرياض للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد خطوة تاريخية في مسيرة العمل المشترك بين بلدان مجلس التعاون الخليجي الذي بدأ في مايو 1981. والسؤال المطروح هنا: ما هي دلالات هذه الدعوة؟.

مجلس التعاون لدول الخليج العربية يعتبر منظمة إقليمية تهدف إلى تعزيز التعاون وتحقيق مجموعة من الأهداف التي أنشأت من أجلها بين عدة دول. وتختلف المنظمات الإقليمية عن المنظمات الدولية التي عادة تعمل على نطاق جغرافي أوسع وبين عدد أكبر من الدول. فالمنظمات الإقليمية تعد أنواعاً طبقاً للهدف من إنشاءها، وطبقاً للنشاط الذي أسست من أجله. ويعد مجلس التعاون الخليجي من المنظمات الإقليمية التي أسست من أجل التكامل في مختلف المجالات بين البلدان الأعضاء. وطوال فترة نشاطه استطاع أن يحقق العديد من الإنجازات، ولكن تطلعات قادة وشعوب دول الخليج كانت أكبر من ذلك بكثير، وكانت هناك طموحات متواصلة بأن تنتقل تجربة مجلس التعاون إلى شكل من أشكال الاتحاد الإقليمي على غرار بعض التجارب الدولية وفي مقدمتها تجربة الاتحاد الأوروبي.

الدافع الأساس من وراء هذه التجربة هو القناعة الجماعية بوجود العديد من العوامل المشتركة التي تساهم في تأسيس كيان خليجي مشترك يضم بلدان مجلس التعاون الخليجي التي تشترك في اللغة، والدين، والتاريخ والهوية المشتركة، وكذلك العادات والتقاليد، فضلاً عن التشابه في أنماط نظام الحكم بينها. والآن تُشكل هذه الدعوة من خادم الحرمين الشريفين والتي لاقت ترحيباً واسعاً لدى قادة وشعوب دول مجلس التعاون الخليجي محطة هامة للانتقال من مراحل التعاون إلى مرحلة الاتحاد.

واللافت أن دول المجلس بدأت خطوات نحو الاتحاد عندما أطلقت مشروع منطقة التجارة الحرة تنفيذاً للاتفاقية الاقتصادية الموحدة، حيث أنشأت هذه المنطقة عام 1983 وبموجبها ألغيت كافة الرسوم الجمركية بين دول المجلس على البضائع ذات المنشأ الوطني.

لاحقاً بدأت المرحلة الثانية من التكامل الاقتصادي الخليجي عندما تم الاتفاق في العام 1999 على إنشاء الاتحاد الجمركي الذي تم تطبيقه فعلياً اعتباراً من مطلع العام 2003. كما بدأ المجلس خطوات نحو إقامة السوق الخليجية المشتركة من أبرزها ضمان حرية التنقل والإقامة لمواطني دول المجلس، ومنحهم معاملة متساوية في الدول الأعضاء مع بعض الاستثناءات، وحرية حركة رؤوس الأموال، بالإضافة إلى حرية التملك والاستثمار. وهذه الخطوات التي تمت على مدى ثلاث عقود من الزمن ساهمت الآن في تكوين أرضية مشتركة قوية يمكن الاعتماد عليها في إقامة اتحاد سياسي بين دول المجلس.

عندما تبحث مجموعة من الدول ـ كما هو حال دول مجلس التعاون الخليجي الآن ـ فكرة تأسيس اتحاد فيما بينها، فإنها أمام خيارين أساسيين، أحدهما إقامة اتحاد فيدرالي، والخيار الآخر إقامة اتحاد كونفدرالي. ومن الأهمية بمكان عرض أبرز الفروقات بين النظام الفيدرالي والنظام الكونفدرالي. فيما يتعلق بالنظام الفيدرالي فإن أهم أمثلته الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك دولة الإمارات العربية المتحدة كتجربة عربية. وفي هذا النظام من أنواع الاتحاد فإن الدول المنضوية في هذا الاتحاد تفقد شخصيتها وسيادتها الدولية لصالح الاتحاد الفيدرالي. وتتم إدارة شؤون الاتحاد إلى قوانين ودساتير داخلية بموافقة الأغلبية. ومما يميّز الاتحاد الفيدرالي عدم إمكانية الدول المشاركة فيه الانفصال عنه، بل يمكن اللجوء إلى إجراءات لإرغامها على البقاء وإن تطلب ذلك استخدام القوة.

أيضاً يتسم النظام الفيدرالي بوجود حكومة فيدرالية؛ وهي حكومة مركزية تتولى إدارة شؤون الاتحاد، وكذلك الحال بالنسبة للبرلمان الذي يجب أن يمثل كافة الدول المشاركة في الاتحاد. وهناك فرق في القوانين في النظام الفيدرالي، إذ تحتفظ الدول بقوانينها المحلية، وفي الوقت نفسه تسري عليها القوانين الفيدرالية التي يجب ألا يكون هناك أي تعارض بينهما، وتعد الحرب بين دول الاتحاد حرباً داخلية. كذلك هناك إمكانية لاحتفاظ المواطنين بجنسيتهم، أو يمكن استحداث جنسية واحدة تمثل الاتحاد نفسه.

بالمقابل فإن النظام الكونفدرالي يعتبر عكساً للنظام الفيدرالي، حيث تحتفظ الدول المشتركة في الاتحاد بشخصيتها القانونية دولياً، وتتمتع بكافة مظاهر السيادة. وهذا النوع من الاتحاد يتطلب الحصول على موافقة جماعية في حالة إبرام معاهدة بين دوله. وأيضاً يسمح النظام الكونفدرالي لجميع الدول الأعضاء بالانفصال عنه في أي وقت.أما فيما يتعلق بطريقة الحكم في النظام الكونفدرالي، فإنها تعتمد على تشكيل مؤسسة تدير شؤون الاتحاد، ويمكن استحداث مؤسسة تمثل كافة الدول الأعضاء، ولكن ليس لها صفة البرلمان. مما يميّز الاتحاد الكونفدرالي أيضاً أن القرارات فيه تتخذ بالإجماع، ولا تتم إلا بموافقة الدول المشتركة فيه. وعادة ما تحتفظ كل دول من الدول في الاتحاد الكونفدرالي بجنسيات مواطنيها دون أن تكون هناك جنسية مشتركة.

لم تتضح صورة شكل الاتحاد الخليجي حتى الآن، ومازالت حتى الآن مشروعاً سيتم تشكيل لجنة من الخبراء لدراسة المشروع، وتقديم تصورات بشأنه، بحيث يتم عرضها على أعضاء المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في القمة الخليجية المقبلة. ولكن ينبغي التأكيد بأنه لا توجد قواعد واضحة لتشكيل الاتحادات بين الدول، وهي قواعد مرنة ويمكن الاستفادة من التجارب الدولية المختلفة وأفضل ممارساتها في تأسيس الاتحاد الخليجي المقترح.


روابط ذات صلة