8 يناير 2012
العنف والإصلاح السياسي
هل يعتبر اللجوء إلى العنف وسيلة من وسائل المشاركة السياسية وأداة للتعبير عن الرأي في مجتمع يشهد إصلاحاً سياسياً؟

هل يعتبر اللجوء إلى العنف وسيلة من وسائل المشاركة السياسية وأداة للتعبير عن الرأي في مجتمع يشهد إصلاحاً سياسياً؟

هذا السؤال يدفعنا للتعرف على علاقة العنف بالإصلاح السياسي، وما إذا كان الأول يدفع نحو مزيد من الإصلاح والتحول الديمقراطي.

بداية فإن الإصلاح السياسي عملية مستمرة لا تتوقف، بل تتطور بتطور المجتمع نفسه، فكلما أجريت إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة كلما زادت درجة الاستقرار السياسي والأمني في الدولة.

والإصلاح السياسي يجب أن يكفل لكافة الأطراف في النظام السياسي سواءً كانت أفراد أو جماعات، أو حتى الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني أن تعبّر عن رأيها وتدافع عن وجهات نظرها ومصالحها المختلفة باعتبارها حقاً من حقوق التعبير عن الرأي في الدولة. 

وبالرجوع إلى دستور مملكة البحرين فإنه كفل لكافة الأفراد وكذلك الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني حق التعبير عن آرائها في مختلف المجالات ونشره سواء بالقول أو بالكتابة أو غيرها، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، مع عدم المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية. وهذا الحق مكفول في العديد من القوانين والتشريعات الوطنية وهو ما أكد عليه أيضاً ميثاق العمل الوطني. 

من هنا يمكن القول إن اللجوء إلى العنف باسم حقوق الإنسان وحريات التعبير عن الرأي يتناقض تماماً مع مفهوم الإصلاح السياسي والمطالبة به، خصوصاً وأن الإصلاح السياسي يقوم على سيادة القانون واحترامه والالتزام به، وبالتالي فإن ممارسات العنف مهما تعددت أشكالها تعد متناقضة مع مطالب الإصلاح السياسي، وحتى حريات التعبير.

الحريات في مختلف بلدان العالم، وكذلك في المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان لا تعتبر مطلقة، بمعنى ألا حدود لها أو قيود عليها، بل فهي حريات منضبطة تتيح هامشاً واسعاً للأفراد والمؤسسات في التعبير والقيام بأنشطة مختلفة. وما يحددها القوانين التي تضمن الحد الأدنى من عدم التناقض، وألا تكون هذه الحريات سبباً في الإساءة لحريات أشخاص أو مؤسسات أخرى.

وإذا أتينا إلى مختلف ممارسات العنف سواءً كانت بسيطة كإغلاق الشوارع، أو حرق وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، فإنها بلاشك غير مبررة وتتناقض مع حقوق الإنسان والحريات العامة، وسبب ذلك أنها تمس بشكل مباشر حريات المواطنين والمقيمين وكذلك مؤسسات المجتمع المدني المتعلقة بحقهم في ممارسة شؤون حياتهم اليومية في أمان واستقرار دائم وتتعارض مع حق حرية التعبير عن الرأي.

أعمال العنف لا تستهدف فئة معينة أو مؤسسات محددة، وإنما تستهدف المجتمع بمختلف مكوناته، وتؤثر سلباً على عملية الإصلاح السياسي وتطور الاقتصاد الوطني. فاستمرارها يؤدي إلى عرقلة إجراءات الإصلاح، وتدفع إلى التركيز على كيفية إعادة الأمن والاستقرار أكثر من الاهتمام بإجراء المزيد من الإصلاحات. أما على الصعيد الاقتصادي فإنها تخلق بيئة غير مستقرة تؤدي إلى تعطيل المصالح والأنشطة الاقتصادية، وتكوّن بيئة طاردة للاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي ينعكس سلباً على سلامة الوضع الاقتصادي في الدولة.

أما فيما يتعلق بكيفية مواجهة أعمال العنف، فإنها ليست مسؤولية طرف معين في الدولة، وخاصة الحكومة أو رجال الأمن فقط، بل هي مسؤولية مشتركة تشترك فيها مختلف مكونات المجتمع التي يتطلب منها تضافر جهودها في إيقاف أعمال العنف من خلال إدراك مخاطر هذه الممارسات على الإصلاح السياسي والاستقرار الأمني.

وهذا الإدراك أيضاً يتطلب تكوين وعي شامل لدى الرأي العام بمخاطر أعمال العنف وتأثيراتها السلبية على الأمن والسلم الأهليين، والاستقرار في المجتمع. بحيث يقوم هذا الوعي على ضرورة سيادة القانون واحترامه انطلاقاً من الحرص على المصلحة الوطنية العليا، وأهمية الحفاظ على المكتسبات الوطنية والبناء عليها.

العنف والإصلاح السياسي لا يستقيمان مع بعضهما البعض، ولتحقيق الإصلاح ينبغي وقف أعمال العنف في ظل وجود هامش كبير للغاية من الحرية في التعبير عن الرأي وهو ما كفله ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين، وكذلك القوانين الوطنية.


روابط ذات صلة