1 ابريل 2012
الديمقراطية التوافقية
تتعدد أنواع وصفات ومسميات الديمقراطية ضمن التجارب الحديثة وذلك نتيجة تنوع احتياجات المجتمعات المتعددة وخصائصها رغم تشابه مبادئ الديمقراطية في معظم التجارب الحضارية.

تتعدد أنواع وصفات ومسميات الديمقراطية ضمن التجارب الحديثة وذلك نتيجة تنوع احتياجات المجتمعات المتعددة وخصائصها رغم تشابه مبادئ الديمقراطية في معظم التجارب الحضارية.

ومع ظهور العديد من الأنظمة الديمقراطية وبروز العديد من التحديات لها والمشاكل اهتم الباحثون بإيجاد حلول لهذه التحديات والمشاكل بما يضمن الحفاظ على مبادئ الديمقراطية الأساسية التي تقوم على إشراك مكونات المجتمع في الممارسة الديمقراطية عبر العديد من المؤسسات سواءً كانت برلمانات أو مجالس حكم محلية أو مجالس بلدية..إلخ.

من أبرز التحديات التي واجهها الباحثون كيفية تأسيس نظام ديمقراطي في مجتمع متعدد بمعنى يتميز بالتنوع الإثني والديني والمذهبي ضمن مكوناته بما يضمن الحقوق الأساسية للجميع، ويضمن لهم حماية مصالحهم وتحقيق مطالبهم باستمرار وأن يكون للجميع فرصة مماثلة في صنع القرار السياسي من خلال آليات المشاركة السياسية المعروفة.

ولذلك ابتكر بعض علماء السياسة والمفكرين نظرية الديمقراطية التوافقية والتي تسمى أيضاً الديمقراطية التكاملية، ومن أبرز المنظرين لهذا المفهوم المفكر الهولندي آرنت ليبهارت.

عندما انتشرت الأنظمة الديمقراطية بشكل كبير خلال القرن العشرين خارج القارة الأوروبية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب فشل الأنظمة غير الديمقراطية، وحدوث حالة واسعة من النمو والانتعاش الاقتصادي وتطور الثقافة السياسية، حدثت هذه التطورات في مجتمعات تتميز بانقسامها الشديد والواضح. وبدأ التفكير جدياً في كيفية إيجاد حلول سياسية تساهم في ضمان تحقيق الديمقراطية بشكل يضمن أقصى درجات الاستقرار السياسي، ويحول دون حدوث صراعات في هذه المجتمعات. البعض حينها اهتم بكيفية استخدام الحكم الذاتي أو الفيدرالية، بحيث تكون الفرصة متاحة للأكثرية وللأقليات غير المتجانسة في الوقت نفسه للمشاركة السياسية في الحكم. وكانت النتيجة القدرة على تحقيق التوافق بين مكونات المجتمع، ومن أمثلة ذلك بلجيكا، والنمسا، وسويسرا،وكندا،وهولندا.

من هنا جاءت فكرة الديمقراطية التوافقية لتقوم على أن يكون هناك شكل من أشكال التعاون والتوافق بين مكونات المجتمع بدلاً من حالة الصراع والتنافس بين هذه المكونات نفسها. وبالتالي فإن الديمقراطية التوافقية أدت إلى تكوين ائتلاف واسع بين كافة المكونات المجتمعية.

الديمقراطية التوافقية تتطلب أن يكون هناك توافق عام بين مكونات المجتمع وتنظيماته السياسية، بمعنى إذا كان الحديث عن تشكيل السلطة التشريعية من خلال صناديق الاقتراع فإن البرلمان يقوم على كتل برلمانية قوية قادرة على تمثيل الأكثريات والأقليات في الوقت نفسه، وهو ما يتطلب اعترافاً متبادلاً بين كافة المكونات تجاه بعضها البعض، وأن يكون هناك اتفاقاً عاماً على أساس البرامج السياسية والأهداف المشتركة الجماعية العامة.

فيما يتعلق بعناصر الديمقراطية التوافقية فإنها تقوم على الآتي:

  • أولاً: سلطة تشريعية تقوم على مجموعة من التحالفات تضم القوى السياسية الكبيرة وكذلك القوى السياسية الأصغر.
  • ثانياً: الاعتماد على مبدأ التمثيل النسبي لكافة مكونات المجتمع في مختلف الأجهزة الحكومية، وكذلك الحال في العملية السياسية التي تتم من خلال صناديق الاقتراع.
  • ثالثاً: المشاركة الجماعية في صنع القرار، بمعنى ألا يكون القرار حكراً على الأكثرية أو الأقلية في المجتمع، بل يتم من خلال منح هذا الحق للجميع، وألا تصدر القرارات السياسية إلا بتوافق جماعي، بحيث لا تحتكر الأغلبية أو الأقلية القرار السياسي وتكون ممارسة السلطة بشكل تشاركي بين كافة المكونات، وهو ما يحول دون استبداد أي طرف تجاه الآخر.
  • رابعاً: أن يتمتع كل مكون من مكونات المجتمع بشكل من أشكال الإدارة الذاتية للشؤون الخاصة بمكونات الجماعة نفسها بحكم التنوع الموجود في المجتمع.

كما هو حال معظم الأنظمة الديمقراطية فإن الديمقراطية التوافقية لها أيضاً العديد من العيوب والتحديات التي تم مناقشتها وتقديم الحلول لها. ومن أبرزها أنها لا تحقق في النهاية درجة مرتفعة من الديمقراطية بمبادئها الأساسية، كما يراها البعض شكلاً من أشكال المحاصصة الطائفية التي قد لا تحدث الاستقرار السياسي والأمني بين مكونات المجتمع نفسه. وأيضاً من تحدياتها أنها لا تخلق الانسجام ومزيداً من التجانس في المجتمعات المنقسمة. فضلاً عن تحديات أخرى تتعلق بضعف النظام السياسي ومحدودية كفاءتها لإدارية بالإضافة إلى كلفته المادية المرتفعة.

بالتالي فإن الديمقراطية التوافقية لها العديد من المزايا وفي الوقت نفسه لها عيوب متنوعة، ولكن النتيجة النهائية أنها تساهم في تكوين مجتمع يقوم على التعايش السلمي بين مختلف مكوناته، بدلاً من الاعتماد على الديمقراطية التنافسية التقليدية التي يمكن أن تؤدي إلى الصراع بين الأكثرية والأقلية في المجتمع المنقسم والمتعدد.

وهذه الحقيقة تعطي قناعة معينة تقوم على أن الأنظمة الديمقراطية مهما اختلفت أنواعها وأشكالها التي تقوم على مبادئ أساسية مشتركة، فإن لها عيوباً ولها مزايا أيضاً في الوقت ذاته. وهي مسألة تخضع لقناعة مكونات المجتمع التي يجب أن تتوافق على شكل الديمقراطية التي ترغب بها، كما حدث في شبه الإجماع الشعبي عندما وافق شعب البحرين في فبراير 2001 على ميثاق العمل الوطني واختار الملكية الدستورية التي تمثل النظام السياسي البحريني حالياً، وكذلك الحال عندما قرر الشعب من خلال ممثلي كافة مكونات المجتمع في حوار التوافق الوطني خلال صيف 2011 على إحداث المزيد من الإصلاحات عبر تعديلات دستورية يجري مناقشتها حالياً في أروقة السلطة التشريعية.

روابط ذات صلة