5 مارس 2019
الانتخابات ... قفزات عقلانية في اتجاه التحول الديمقراطي
وهكذا تمضي الانتخابات في مملكة البحرين لتشكل مؤشرات إيجابية على تحول ديمقراطي يسير بخطى ثابتة استطاعت من خلاله المملكة المحافظة على المكتسبات التي تحققت منذ بداية المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد في عام 1999 مرورا بميثاق العمل الوطني والتعديلات الدستورية والقوانين التي تمكن المشرع البحريني من خلالها في احداث حالة من الانفتاح الديمقراطي الحقيقي في البلاد ومن الممكن رصد هذه المؤشرات فيما يلي:

وهكذا تمضي الانتخابات في مملكة البحرين لتشكل مؤشرات إيجابية على تحول ديمقراطي يسير بخطى ثابتة استطاعت من خلاله المملكة المحافظة على المكتسبات التي تحققت منذ بداية المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد في عام 1999 مرورا بميثاق العمل الوطني والتعديلات الدستورية والقوانين التي تمكن المشرع البحريني من خلالها في احداث حالة من الانفتاح الديمقراطي الحقيقي في البلاد ومن الممكن رصد هذه المؤشرات فيما يلي: 


1. ان هناك حالة من الاستقرار السياسي الديمقراطي للعملية الانتخابية تمثلت في دورية انعقاد الانتخابات كل أربعة سنوات دون انقطاع او توقف والتزام كامل من جانب الحكومة والمجتمع بقواعد اللعبة السياسية واطرها الدستورية والقانونية. 


2. انه رغم حالة الضبابية السياسية التي ظهرت عقب احداث 2011 ، إلا ان الدولة استطاعت من خلال سلسلة من الإجراءات التدريجية والإصلاحات الديمقراطية ان تعيد من خرجوا عن خط التوافق الديمقراطي المجتمعي الى الحياة السياسية مرة أخرى ولعل ما شهدته انتخابات 2018 من اقبال على الانتخابات النيابية والبلدية بنسبة مشاركة بلغت حوالي 68% من اجمالي المشاركة الانتخابية بتفوق واضح عن اول انتخابات جرت بعد الاحداث والتي وصلت فيها نسبة المشاركة الى 50% فقط من اجمالي الناخبين ، وهي النسبة - رغم مقبوليتها طبقا للمؤشرات العالمية - الا انها تبقى مؤشر متواضع اذا قورنت بالمشاركة الانتخابية في مملكة البحرين منذ عام 2002. 


3. إن مؤشر المشاركة الانتخابية لم يتم قصره فقط على مشاركة المواطنين في الانتخابات ولكنه امتد ليشمل الاقبال على الترشيح والذي اتخذ شكل منحنى صاعد لأعلى في الانتخابات النيابية تحديدا عكس قدراً من الاهتمام بالحياة السياسية وآليات المشاركة فيها ، إلا انه من الأهمية الإشارة أنه رغم أن منحنى الاقبال على الانتخابات النيابية كان منحنى صاعد في الاغلب الاعم إلا أن الامر اختلف كثيرا في الانتخابات البلدية والتي شهدت تراجع تدريجي ملحوظ في معدل الاقبال على الترشح لها ولعل ذلك قد يرجع للدور المحدود الذي تتمتع به تلك المجالس في الحياة العامة بالإضافة إلى صدور مرسوم بقانون تم بموجبه تحول مجلس بلدى العاصمة إلى مجلس معين من قبل جلالة الملك وليس منتخب كما كان الوضع قبل انتخابات 2014 . وهو الامر الذي كانت القيادة تستهدف من خلاله الى الاستعانة بأصحاب الخبرات في العمل الاجتماعي لزيادة فعاليته وتأثيره على حركة تطور المجتمع. 


4. كان هناك حرص من جانب مملكة البحرين على خلق بيئة سياسية وقانونية ملاءمة لعملية تحول ديمقراطي تدريجي تمثلت في عمل بعض التعديلات الدستورية خاصة أعوام 2002، 2012، 2017، 2018 اتجهت جميعها الى تعزيز السمة البرلمانية للنظام السياسي البحريني، وتعزيز دور المواطن في الحياة السياسية. كما عملت القوانين على زيادة دور الجمعيات السياسية وتنظيم دورها والعضوية فيها وهو ما أسفر عن وجود 16 جمعية سياسية تتوزع اتجاهاتها السياسية ما بين جمعيات إسلامية وجمعيات يسارية وجمعيات ليبرالية.


5. شكلت المرأة المعادلة الأهم في الحياة السياسية عموماً وفي عملية التحول الديمقراطي خصوصا في مملكة البحرين بل انه من الممكن القول انها شكلت محور عملية التحول الديمقراطي الحقيقي في البلاد ، فقد استطاعت المرأة البحرينية على كافة المستويات أن تلعب دورا فاعلاً في الحياة العامة سواء كمرشحة او كناخبة وقد اوضحت المؤشرات الى ارتفاع نسبة مشاركتها بشكل تدريجي ثابت وصل ذروته في الانتخابات النيابية والبلدية الأخيرة حيث استحوذت على نسبة تقترب جدا من نسبة الاناث عموماً الى اجمالي المواطنين في مملكة البحرين حيث تشكل المرأة حوالي 49% من اجمالي السكان في مملكة البحرين وهي ذات النسبة التي استحوذت المرأة فيها على المشاركة الانتخابية منذ اول انتخابات جرت في عهد جلالة الملك حمد . كما استحوذت المرأة وللمرة الأولى منذ أول مشاركة لها بالترشح في الانتخابات على أكبر عدد من مقاعد مجلس النواب وصل الى ستة مقاعد في مجلس النواب 2018، ليس ذلك فقط بل انها استطاعت الاستحواذ على منصب رئيس مجلس النواب للمرة الأولى في تاريخ مملكة البحرين والأولى خليجيا باعتبارها اول امرأة تترأس مجلس منتخب وان كانت قد تبوأت هذه المنصب عربيا رئيسة مجلس النواب السوري ولكن تظل البحرين هي الثانية عربياً. اما على مستوى المجالس البلدية فمع تراجع المشاركة عموما في الترشح للانتخابات البلدية انعكس هذا التراجع أيضا على ترشح المرأة وان حافظت على عدد المقاعد التي استحوذت عليها من اجمالي مقاعد المجالس البلدية المنتخبة بالإضافة الى مجلس امانة العاصمة المعين في انتخابات 2018. وبلغ عددها تسعة مقاعد، اربعة منها بالانتخاب وخمسة بالتعيين. 


6. تشكل الجمعيات السياسية الحلقة الأضعف في العملية السياسية في مملكة البحرين فرغم ثقلها الكمي الواضح بالمقارنة بالمساحة الجغرافية والثقل السكاني البحريني - حيث بلغ عددها 16 جمعية سياسية – ولكن يبدو انها لم تلعب الدور المنوط بها من حيث القدرة على التجنيد السياسي لأعضائها واعداد كوادر سياسية حقيقية تستطيع خوض غمار العملية الانتخابية بفاعلية فقد أظهرت نتائج الانتخابات النيابية تحديدا منذ عام 2002 وحتى انتخابات عام 2018 تضاؤل حجم المقاعد التي تستحوذ عليها الجمعيات السياسية بكافة اتجاهاتها حيث لم تتجاوز نسبة مقاعدها 30% من اجمالي مقاعد مجلس النواب ، وان كان مجلس نواب 2002 شكل استثناءً عن ذلك حيث استحوذت الجمعيات على اكثر من نصف مقاعد المجلس ، الا انه من الأهمية التأكيد أن الدور الأكبر للجمعيات السياسية كان لصالح الجمعيات الدينية والتي وان كانت تشكل جزءا من البناء السياسي لأي دولة الا ان استحواذها على عدد كبير من المقاعد قد يؤثر على مؤشر الديمقراطية بمفهومها البنيوي بشكل سلبي . وذلك امام تراجع واضح في دور الجمعيات السياسية المدنية. والتي شكلت جمعية المنبر التقدمي المعروفة باتجاهاتها اليسارية راس حربة هذه الجمعيات. 


بالإضافة الى ذلك فان هناك جمعيات سياسية منذ نشأتها لم يكن لها أي دور في الحياة السياسية في المملكة سواء في الانتخابات او في غير الانتخابات بل لم تشارك من قريب او بعيد في اية انتخابات سواء بشكل مباشر او من خلال التحالف مع جمعيات أخرى وهو ما يضع علامات استفهام حقيقية حول أسباب تواجدها في الحياة السياسية في المملكة. 


7. يعتبر  التغيير في أعضاء المجالس المنتخبة مؤشرا حيويا على نشاطية الشارع السياسي ورغبته الدائمة في بث دماء جديدة في شرايين العمل السياسي في المملكة والعكس صحيح ، ولعل التغييرات التي حدثت في بنية مجلس النواب منذ عام 2002 وحتى عام 2018 وكذلك المجالس البلدية تعتبر مؤشراً إيجابياً على حيوية المشهد الديمقراطي في المملكة فرغم أن معدل دوران النخبة قد بدأ بطيئا في البداية إلا أنه ما لبث أن تسارع بخطى واضحة وقفزات واسعة أدت إلى أن وصل معدل التغيير في أعضاء مجلس النواب إلى اكثر من 90% من أعضاء المجلس ، وكذلك كان الحال في المجالس البلدية التي رغم بطئ معدل دوران نخبتها إلا أنها استطاعت أن تصل بمعدل التجديد في نخبتها البلدية الى حوالي 87% من اجمالي المجالس البلدية المنتخبة وذلك في انتخابات عام 2018.


8. رغم تواضع المعلومات المتاحة عن اعمار أعضاء مجلس النواب في مجالس 2002 ، 2006، 2010 الا أنه من الممكن ملاحظة ان متوسط الاعمار في مجالس 2014، 2018 شكل مؤشراً على حيوية تلك المجالس وغلبة من هم دون الستين عاما على من هم فوق ذلك وهو دليل على حيوية العمل النيابي وان تميز مجلس 2018 بتوازن نسبي بين كافة الاعمار مع ترجيح كفة من تتراوح أعمارهم بين 40 إلى أقل من 60 عاماً. 


واجمالاً ومن خلال تلك المؤشرات سالفة الذكر نستطيع القول أن الحياة السياسية في المملكة رغم تطورها الإيجابي التدريجي إلا انها ما زالت تواجه بمجموعة من التحديات التي ينبغي التعامل معها تمثلت في: 


أ‌. التراجع الواضح في دور الجمعيات السياسية لصالح المستقلين باعتبار أن ذلك يشكل مؤشر سلبياً على مأسسة العمل الديمقراطي وبالتالي استدامته وثبات تدرجه. ولقد كان هذا التراجع لصالح المستقلين الذين يغلب عليهم الجانب الخدمي المباشر بعيداً عن الرؤى السياسية الاستراتيجية الشاملة. وهو ما يتطلب البحث في الأسباب التي أدت الى هذا الضعف الذي تعاني منه الجمعيات السياسية عموما والمدنية منها خصوصاً. 


ب‌. تعاني الحياة السياسية منظمات المجتمع المدني من ضعف هيكلي وذلك على الرغم من ثقلها الكمي الواضح والذي جعل عددها يتخطى الـ 600 جمعية الا انها ما زالت تعاني من الأداء الكيفي الذي يفتقد الى فعالية حقيقية على الأرض. 


وأخيراً فان الحياة السياسية في مملكة البحرين عموماً والانتخابية خصوصاً قد شهدت قفزات عقلانية محسوبة منذ تولي جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم في البلاد وهو ما شكل عن حق تحولاً ديمقراطيا كانت سمته الأساسية تفاهم مجتمعي عام على أولويات وتوافق ديمقراطي رشيد حول مسئوليات كل سلطة مع احترام كامل لاركان الدولة البحرينية ورموزها الأساسية، الامر الذي ساعد على نجاح التجربة حتى الآن وجعل منها نموذجا لافت للانتباه في تحقيق التنمية السياسية برؤية وطنية سديدة. 


خالد فياض المستشار السياسي بمعهد البحرين للتنمية السياسية

المقال جزء من دراسة يعكف معهد البحرين للتنمية السياسية على إصدارها قريباً 

روابط ذات صلة